فَمِمَّا علّمنا له الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - حرصه الشَّديد على حقن الدِّماء، لم يقل: هؤلاء الذين فعلوا بنا، واليوم قد مُكِنتم منهم فلتفعلوا بهم الأفاعيل، وزّع الجيش يدخل مكة من أنحائها كُلّها، حتَّى لا يفكر أهل مكة في المواجهة، ثُمَّ قال لهم: (لا تقاتلوا إلاَّ مَنْ يقاتلكم) [1] . وبالفعل خضع له الجميع، ولم تكن مجموعة مواجهة إلاَّ مجموعة خالد بن الوليد، واجهتهم مجموعة كانت تُعِدُّ لقتل الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ، منهم حماس بن قيس بن خالد كان يُعِدُّ السِّلاح ويصلحه من وقت لآخر، فسألته امرأته، فقالت له: ماذا تريد؟ قال: أريده لمُحَمَّد وأصحابه. قالت له: لن تتمكَّن منه. قال لها: سأقدمك بعضهم، أي سأتمكّن منهم وآتى ببعضهم أذلة كي يكونوا في خدمتنا في البيت، هذا كان من ضمن المجموعة التي واجهت خالد بن الوليد، وكانت بقيادة عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أُمية، هذا الرَّجل وهو يُصلح أسلحته كان يترنّم بأبيات:
إنْ يكمل اليوم فما لي علّة ... هذا سلاحٌ كامل وإلا
وذو غرارين سريع السَّلا
يتسلّي ويترنّم بهذه الأبيات معبِّرًا عن استعداده للرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتَّى خرج مع المجموعة التي أرادت المواجهة، وبعد أنْ قُتِلَ منهم مَنْ قُتِلَ، وفرَّ منهم مَنْ فرَّ كان هو ضمن الفارَّين أتى إلى زوجته وقال: أغلقي عليَّ الباب، ذكَّرته بتلك الأبيات التي كان ينشدها، فقال لها: إنك لو شاهدت يوم الخندق (المكان الذي كانت فيه المواجهة بينهم وبين مجموعة خالد بن الوليد:
إنَّك لو شهدت يوم الخندقة ... إذ فرَّ صفوان وفرَّ عكرمة
(1) انظر: وصيته حين غزوة مؤتة (اغزوا باسم الله، فقاتلوا عدوا الله وعدوكم بالشَّام، وستجدون منها رجالًا في الصَّوامع معتزلين فلا تتعرَّضوا لهم، ولا تقتلوا امرأة، ولا صغيرًا، ولا شيخًا فانيًا، ولا تقطعوا شجرة، ولا تهدموا بناءً) . السِّيرة الحلبيّة، 2/787.