وبالفعل ما هي إلاَّ أيام وأتى أبو سفيان إلى الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - معتذرًا، جاء نازلًا في بيت بنته أم حبيبة، وحينما أراد أنْ يجلس على فراش الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ، طوته عنه، فقال: يا بنتي أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت بالفراش عني؟ فقالت: هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنت مُشركٌ نجس: [التَّوبة: 28] ، قال: والله قد أصابك بعدي شيء [1] .
هو يقصد الجنون، ولكن الذي أصابها هو الإيمان، الذي أصابها هو الارتباط بالحقّ وبالرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ، بعد أنْ أخذ هذه النِّكاية من بنته، ذهب إلى الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - يعتذر، فلم يجبه الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ، فأتى إلى سيّدنا أبي بكر علَّه يشفع، فلم يقل له كلمة واحدة، وأتى إلى سيّدنا عمر، فقال عمر:"أتأتيني لأشفع لك عند رسول الله، والله لو لم أجد إلاَّ الذَّر لقاتلتكم ولقاتلتكم عليه، فلو وجد فيهم فرصة في قتالهم لقاتلهم" [2] ، وأتى بعضهم إلى سيّدنا عليّ فقال: والله لا أملك لك شيئًا، فنظر إلى بنته إلى زوج سيّدنا عليّ السَّيِّدة فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال لها مشيرًا إلى ابنها: هلا حدثتيه أنْ يُجيرنا، فقالت: إنَّ ابني صغير ما بلغ أنْ يُجير، ثُمَّ إنَّه مَنْ يُجير على رسول الله؟
وهكذا رجع أبو سفيان يُجرجر أثواب الخيبة، وهنا عزم الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - في مباغتة قريش، وسأل الله تعالى أنْ يأخذ أبصارهم عنهم [3] .
(1) السِّيرة الحلبيّة: لعلي بن برهان الدِّين، طبعة دار المعرفة، بيروت، سنة 1400هـ، 3/7.
(2) فصول من السِّيرة، 5/875، وزاد المعاد، 3/397.
(3) انظر: البيضاويّ، عبد الله بن عمر مُحَمَّد بن علي، الشّيرازيّ، البيضاويّ، 3/117.