ومن هنا نأخذ حكمًا، وهو جواز مباغته العدو إذا نقض العهد، فإذا لم ينقض العهد ليس لنا أنْ نبدأ، ولكن إذا بدأ هو فيجوز مباغتته في أيّ وقت، نحن الآن في كثير من اتفاقيّاتنا التي نعقدها هنا وهنالك يقوم العدو فيغير هنا ويغير هنا، ونستنكر ولا نتحرك، حتَّى نجده قد نال منا نيلًا عظيمًا، متى ما بادر العدو لنقض العهد فإنَّه يجوز لنا أنْ نباغته في أيّ مكان يتبع له.
لذلك قدَّر الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - هنا أنْ يباغت، لأنَّ قريشًا هم الذين بدأوا، إذا لم يبدأ العدو بنقض العهد، ليس لنا أنْ نبدأ، إذا خفنا من العدو العدول، ولكنه لم يبدأ عمليًّا: [الأنفال: 58] [1] .
يجوز أيضًا أنْ يؤتى العدو في أمره كُلّه وفي شأنه كُلّه، وفي أهله كُلّه، هم الذين شاركوا قبيلة بني بكر، ليس كُلّ أهل قريش، ولكن الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - حينما قرَّر أنْ يفتح مكة كُلّها ويأخذ قريشًا كُلّها.
وهكذا نجد قومًا تبدو من بعضهم بادرة ولم يقصدوا ولا يأخذون بأيديهم، فإنَّ العاقبة تعود لذلك التَّغيير حينما فكَّر نفر منهم أنْ يغدروا بالرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقرَّروا أنْ يصعدوا على الحائط الذي هو فيه ويرموه بصخرة فيرتاحوا منه، بعد أنْ ذكر الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - عن طريق الوحي وغادره مسرعًا لم يطلب هؤلاء فقط ويُلقي عليهم عقوبة، وإنَّما أجلى يهود بني النَّضير كُلّهم؛ لأنَّ هذا الأمر يشبههم كُلّهم، ويصدق عليهم كُلّهم، ولأنَّ هذا هدفهم كُلّهم [2] .
(1) انظر: التَّسهيل لعموم التَّنزيل: مُحَمَّد بن أحمد الغرناطيّ الكلبيّ، طبعة دار الكتاب العربيّ اللُّبنانيّ، 1403هـ، 2/64.
(2) الشَّيخ مُحَمَّد الأمين الشّنقيطيّ: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، طبعة دار الفكر، 1415هـ، 8/15.