1-الأولى: أن الأفغاني كان يريد إعادة الدولة الشيعية إلى بلاد مصر، ولهذا اختار المقام فيها على غيرها من البلاد الأخرى. وأنه لأجل هذا كان يخفي شيعيته ويدعي الانتساب لآل البيت؛ ليتمكن من تكوين عصبة حوله تعينه على هذا الأمر إذا ما حانت ساعة الصفر -كما يقال-. وأنه كان لا يفضي بهذا الأمر إلا لخاصته؛ كمحمد عبده. وهذه ليست بغريبة على الشيعة الذين لا زالت قلوبهم تهفو إلى هذه البلاد منذ أن طردوا منها، فقد قاموا بعدة تجارب لأجل هذا الأمر؛ من أهمها تجربة السيد ! البدوي الذي أرسله أساطين الرفض في العراق إلى بلاد مصر، فكانت غايته -كما يقول الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف-:"أن يجمع عصبية في الديار المصرية للعلويين [1] ، كتلك العصبيات التي كان يجمعها غيره من الصوفية في أقطار العالم الإسلامي حتى تكون عونًا لهم إذا ما تهيأت الفرصة، ونهضوا لطلب الملك" [2]
ومما يشهد لهذا: الغموض الذي أحاط الأفغاني به نفسه، حيث لم يوضح (بصراحة) حقيقة أفكاره؛ إنما هي أمور عامة يشترك معه فيها غيره.
ومما يشهد لهذا -أيضًا- أن تلميذه محمد عبده كان كثيرًا ما يتمثل بهذه الأبيات [3] :
ذرني وأشياء في نفسي مخبأة ... لألبسن لها درعًا وجلبابا
والله لو ظفرت نفسي بطلبتها ... ما كنت عن ضرب أعناق الورى آبا
حتى أطهرهذاالكون من دنس ... وأوجب الحق للسادات إيجابا
وأملأ الأرض عدلًا بعدما ملئت ... ظلمًا وأفتح للخيرات أبوابا
فما هي هذه"الحاجات المخبأة في نفسه"؟! ومن هم"السادات"الذين سيوجب لهم الحق، ويضرب لأجلهم أعناق الناس؟!
(1) ... أي الشيعة الرافضة. وهم يخدعون العامة بانتسابهم زورًا إلى العلويين.
(2) ... السيد ! البدوي ودولة الدراويش بمصر، لمحمد فهمي عبد اللطيف، ص 75.
(3) ... قطرة من مداد لأعلام المتعاصرين والأنداد، لمحمد لطفي جمعة، ص 311-312.