فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 183

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين: أما بعد:

فعز لك وشرف يا عبد العزيز! فلم يكن ذلك الإجراء لخيانة مالية، أو جناية خلقية، حاشاك! فاحمد الله، وما عيبك إلا صلابتك في الحق، ولقد ساء هذا الإجراءُ كلَّ الغيورين للأعراض، المنكرين للاختلاط، وسر ذلك المستغربين دعاة الاختلاط، ولخليفتك تاريخ في هذا، وبهذه المناسبة نسوق مقالة سبق نشرها، وهذا نصها:

(الحق والباطل من المدح والذم (

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فإن المدح والذم نوعان من الخبر يعرض لكل منهما الصدق والكذب، ويتأثر حكم كل منهما بحال المادح والذام؛ فالممدوح من مدحه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، والمذموم حقا من ذمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون.

قال أعرابي للنبي عليه الصلاة والسلام: يا محمد! إن مدحي زين وذمي شين، فقال صلى الله عليه وسلم: (ذاك الله (ويتفرع عن هذا أن من مدحه الصالحون من عباد الله فمدحهم له من عاجل بشراه، ومن ذمه الصالحون فذلك عنوان على سوء حاله أو سوء عقباه، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: لأصحابه لما مر عليهم بجنازة فأثنوا خيرا، قال صلى الله عليه وسلم:(وجبت وجبت) ، ومر بأخرى فأثنوا شرا، قال صلى الله عليه وسلم: (وجبت وجبت) ، ثم فسر قوله: (وجبت) للأول وجبت له الجنة، وللثاني وجبت له النار، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (أنتم شهداء الله في أرضه) .

أما مدح الكفرة والمنافقين والفاسقين فلا يبشر بخير للممدوح، بل يدل على شر فيه، بقدر رضاهم عنه، ومدحهم له، وفرحهم به.

وذم الكفرة والمنافقين والفاسقين شرف لمن ذموه؛ لأنه يدل على عدم رضاهم عنه، لمخالفته أهواءهم، وهذا معيار مستقيم، وقياس صحيح في المدح والذم، فلينظر العاقل في حال من يمدحه أو يذمه ونوعه، وفي الحامل لهم على مدحه وذمه. فمدح الأخيار للمرء شرف، وذم الأشرار للمرء شرف، والعكس صحيح.

وتذكر أيها العاقل قول المتنبي:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص…فهي الشهادة لي بأني كامل

وقال آخر:

حب الأراذل للفتى مزر به وثناؤهم ذم فلا يسمو به

وذُكر أن الطبيب بقُراط رؤي يوما مغتما، فسئل عن ذلك، فذكر أن إنسانا دنيئا ذكر أنه يحبه، والمحبة إنما تكون لتناسب بين المحب والمحبوب.

ومما ابتليتْ به الأمة في هذا العصر أقلام كثير من الكتاب والصحفيين الذين يكيلون المدح والذم جزافا، حسب ما تمليه مذاهبهم وأهواؤهم وأطماعهم، ومن أحسن ما قيل في جنس الصحفيين ما قاله الشيخ محمد بن سالم البيحاني رحمه الله، إذ يقول:

وأرى الصحافيين في أقلامهم وحيَ السماء وفتنةَ الشيطان

فهم الجناة على الفضيلة دائما وهم الحماة لحرمة الأديان

فلربما رفعوا الوضيع سفاهة…ولربما وضعوا رفيع الشان

فجيوبهم فيها قلوبهمُ إذا مُلئتْ فهم من شيعة السلطان

وإذا خلت من فضله ونواله…ثاروا عليه بخائن وجبان

وأقرب مثل لهذا الصنف من الكتاب والصحفيين الشعراءُ الذين قال الله فيهم: (والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم ترَ أنهم في كل واد يهيمون *وأنهم يقولون مالا يفعلون) ، وأكثر ما يكون هذا المدح مزريا بالممدوح وحاطا من قدره إذا كان معدودا من العلماء، إذ كان مدح أولئك السفهاء من أجل ما يوافق أهواءهم من آرائه وفتاويه، وإن كان هو قد يكون معذورا لتأويل تأوَّله، أو شبهة حسبها دليلا، لكن من القبيح أن يفرح العاقل بمدح أولئك الصحفيين الجهلاء الدائرين مع الأهواء وأمثالهم من الإعلاميين، القائمين على البرامج في وسائل الإعلام، فهم الجناة على الفضيلة دائما، والناشرون لفتنة الشيطان، كما قال البيحاني رحمه الله

أسال الله أن يعصمنا من مكرهم، ومن أنفسنا والشيطان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت