فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 183

أما بعد؛ فقد اطلعت على كلمة صحيفة الجزيرة ليوم الأحد 6 ربيع الأول 1433 هـ العدد 14367 بعنوان (خطوة مباركة لمفتي المملكة) . وقد تضمنت الكلمة خبرا وإشادة؛ خبرا بأن مفتي عام المملكة رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ"طالب الاختصاصيين في الجامعات السعودية بدراسة موضوع زواج القاصرات من الناحية النفسية والاجتماعية". ولم يحيلوا في الخبر على مصدر، وقد أشادت الصحيفة بذلك الخبر بالطريقة التي تليق بها، لموافقة الخبر للهوى

العصراني، ومتى عرفنا صحيفة الجزيرة تشيد بسماحة المفتي، وتنشر فتاواه وفتاوى اللجنة التي تخالف التوجه التغريبي؟!

ومطالبة سماحة المفتي للاختصاصيين بدراسة زواج القاصرات ــ كما يقولون ــ إن صح عن الشيخ، له في ذلك وجهة نظره، سدده الله ووفقه لإصابة الصواب في قوله وعمله، وإلا فمسألة زواج الصغيرات محسومة عند العلماء بالجواز؛ فقد نقل الإجماع على الجواز غير واحد من الأئمة، منهم الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد وابن المنذر من الشافعية وابن عبد البر من المالكية، وابن قدامة وغيرهم رحمهم الله، فالصغيرة يزوجها أبوها إذا تقدم لها الكفء. ومراعاة مصلحة البنات الصغيرات والكبيرات في زواجهن أمر واجب على الأولياء، ومعلوم أن الغرض من الخوض في شأن زواج الصغيرات هو الوصول إلى تحديد سن زواجهن، بما يتفق مع ما قررته المؤتمرات العالمية، واتبعتها القوانين العربية، سوى المملكة العربية السعودية، لخصوصيتها وتميزها، وهو مابين ستة عشر وثمانية عشر عاما، وتولى متابعة ذلك وتطبيقه في المملكة هيئاتُ حقوق الإنسان الدولية والمحلية، وقد سبق أن نشرت هذه الصحيفة (الجريرة) مقالا بعنوان: حقوق الإنسان تنظيم جديد يقنن زواج القاصرات، في تاريخ 10/ 8/1430 هـ، وقد كتبت تعقيبا عليه في حينه، ومن عجيب عقلية كاتب المقال الأخير أنه اختصر الطريق على المفتي وعلى المتخصصين، وحسم بكلمته الأمر، ودبج الكلمات في تقرير الحكم بالجواز، فكأنه يقول: الرأي عندي لا يحتاج إلى دراسة المتخصصين، فلو أن المفتي أحال دراسة هذا الموضوع إليه لكفى وشفى، على فرض أصل الخبر.

وأقول أيضا: لو اجتمع المتخصصون في الجامعات فلن يأتوا في هذا الأمر

بجديد، بل بما قضت به المؤتمرات الدولية؛ لأنهم لا يستطيعون الخروج عن مقرراتها، فدعونا من الجعجة الخالية من الدقيق، فينبغي للأتباع أن يريحوا أنفسهم، ويقولوا لساداتهم: سمعا وطاعة! ما عندكم؟! أخبرونا، فرأيكم لنا خير من رأينا لأنفسنا! وبهذه المناسبة أسوق التعقيب السابق الذي كتبته ردا على مقال الجزيرة السابق لفائدته في الموضوع، وهذا نصه:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه

أجمعين، أما بعد:

فقد اطلعتُ على ما نشر في جريدة الجزيرة في تاريخ 10/ 8/1430 هـ بعنوان حقوق الإنسان تنظيم جديد يقنن زواج القاصرات، بناء على ما صرح به نائب رئيس هيئة حقوق الإنسان الدكتور زيد الحسين في أن الهيئة ووزارة العدل تُخضعان حاليا موضوع زواج القاصرات لدراسات متأنية، وذلك من قبل علماء شرعيين.

…وجاء في التصريح أن موقف هيئة حقوق الإنسان ثابت في هذا الزواج ولن يتغير، للأضرار المترتبة عليه، ومن ثم الإعداد لنظام جديد يقنن زواج القاصرات في المملكة.

وهذا التوجه من وزارة العدل وما يسمى بهيئة حقوق الإنسان كما جاء في التصريح في أمر تزويج القاصرات والصغيرات يعلم المتتبع أنه ليس جديدا، ولا وليد اجتهاد شرعي محض من علماء معروفين، بل الدعوة إلى منع تزويج الصغيرات وتقنين ذلك بتحديد سن زواج الفتاة بست عشرة سنة أو فوق ذلك دعوة قديمة بالبلاد العربية أول ذلك منذ تسعين سنة وصدر في ذلك عدة قرارات من عدد من المؤتمرات كمؤتمر:

…-المؤتمر الدولي المعني بالسكان مكسيكو عام 1404 هـ

…-المؤتمر العالمي المساواة والتنمية والسلم-نيروبي-عام 1405 هـ

…-المؤتمر الدولي للسكان والتنمية-القاهرة-عام 1415 هـ

…-المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة-بكين-عام 1416 هـ

وأخذ بهذا القانون أكثر البلاد العربية 0

وكانت هذه الدعوة مرفوضة في المملكة العربية السعودية، وصدر بذلك

فتاوى من علمائها تتضمن إنكار تحديد سن الزواج للصغار والكبار، ومن ذلك:

قال الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله في تعليقه على قانون

الأحوال الشخصية في الإمارات كما جاء في جريدة الرياض عدد 4974 قال رحمه الله:"ولما كان ذلك يخالف ما شرعه الله جل وعلا أحببت التنبيه لبيان الحق، فالسن في الزواج لم يقيد بحد معين لا في الكبر ولا الصغر ... إلى أن قال: (ولا يكفي دعوى الأخذ من الشريعة الإسلامية إذا وجد ما يخالفها فقد عاب الله جل وعلا ذلك على اليهود حيث قال سبحانه(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ".. إلخ.

ومعلوم أن اسم هيئة حقوق الإنسان مصطلح غربي يقوم نظامه على رعاية حقوق الإنسان من حيث هو إنسان دون اعتبار لاختلاف الدين. وهيئة حقوق الإنسان في المملكة نظامها مبني على ما يتفق مع أنظمة حقوق الإنسان الدولية كما نص نظام الهيئة على ذلك جاء في المادة الأولى: وتهدف إلى حماية حقوق الإنسان وتعزيزها وفقًا لمعايير حقوق الإنسان الدولية في جميع المجالات ... إلخ

كيف وقد وقعت المملكة على وثيقة الأمم المتحدة في منع التمييز ضد المرأة؟! فتوجه الهيئة إلى منع زواج القاصرات وتنظيم قانون في ذلك ما هو إلا امتداد وتنفيذ لما درجت عليه البلاد العربية، فالأمر مبيت ومخطط له، وهو جزء من التبعية للغرب والبلاد العربية المغرّبة 0

ومعلوم أن هيئة حقوق الإنسان بالمملكة ليست معنية بتطبيق الأحكام

الشرعية ولا هي جهة شرعية بل هي جهة قانونية، وما ذكر في تصريح نائب هيئة حقوق الإنسان بأن دراسة موضوع القاصرات من قبل علماء شرعيين هو أشبه ما يكون بالكلمات التقليدية لإضفاء الشرعية [بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة أو وفق الضوابط الشرعية] .

ولماذا إبهام هؤلاء العلماء فهم نكرة غير معروفين؟! ثم نقول: لماذا تعلن هيئة حقوق الإنسان هذا التوجه وتعلن الإصرار عليه في هذا الوقت، كما جاء في تصريح نائب رئيس الهيئة (أن موقف هيئة حقوق الإنسان ثابت في الزواج(ولن يتغير) ولعل المناسبة ما استجد حول تقنين الأحكام الشرعية.

وبعد؛ فهذا التوجه من هيئة حقوق الإنسان ووزارة العدل وسعيهما إلى

إعداد نظام جديد يقنن زواج القاصرات في المملكة توجه غير رشيد، وسعي في باطل؛ فإن سن قانون يمنع من تزويج الصغيرات ويحدد سنًّا لزواجهن أو زواج الكبيرات مخالف لدلالة الكتاب والسنة ولما أجمع عليه المسلمون من عهد الصحابة رضوان الله عليهم، كما قرر ذلك الأئمة في مصنفاتهم في المذاهب الأربعة وغيرها، وممن نقل الإجماع على جواز زواج الصغيرة ابن المنذر والنووي وابن عبد البر والموفق ابن قدامة والكاساني، رحمهم الله.

وهذا القانون الذي تسعى إليه هيئة حقوق الإنسان ووزارة العدل لمنع زواج القاصرات والصغيرات تحقيق لهدف الدعوة إلى منع الزواج المبكر للبنين أو البنات 0

وهي دعوة مضادة للمقصود الأعظم من النكاح في شريعة الإسلام، وهو الإعفاف عن الحرام، بغض البصر وتحصين الفرج، ولمَّا أمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهم وحفظ فروجهم أمر بما يحقق ذلك، وهو إنكاح الأيامى من الأحرار والعبيد والإماء، قال تعالى: (( وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) )والأيم كل من لا زوج له، وقال صلى الله عليه وسلم: (( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) )متفق عليه.

وهذا الحديث وإن كان خطابًا للشباب، وهم الذكور فمعناه شامل للإناث،

فعلى البنين والبنات أن يبادروا إلى الزواج، عملًا بهذه الوصية النبوية، ولتحصيل ما في النكاح من المصالح الشرعية.

وكل قانون يضاد حكم الشريعة ومقصودها فهو من الحكم بغير ما أنزل الله 0 فإن منع تزويج الصغار وتحديد سن النكاح هو من تحريم الحلال، وإذًا فلا حرمة لهذا القانون، وتجوز مخالفته ولا يفسد النكاح بمخالفته.

ومنع الزواج المبكر من أعظم الأسباب للوقوع في الفواحش، ولا سيما في هذا العصر الذي زخر بأسباب إثارة الغرائز وإلهاب الشهوات.

ولهذا جاءت الشريعة الكاملة بالترغيب في النكاح، تحصيلًا لمصالحه ودرءًا لمفاسد تركه، وما يذكر في تزويج الصغيرات أو الزواج المبكر من

مفاسد وأضرار أو ظلم من بعض الأولياء يجب أن يعالج بالطرق الشرعية، لا يعالج بسن قوانين وضعية هي أعظم ضررًا وفسادًا في العقيدة والسلوك، ولا يرتفع بها الضرر المحذور. فإن أصحاب الأغراض يحتالون على القوانين للتوصل إلى أغراضهم 0

ولما تقدم: يجب على الهيئة ووزارة العدل الرجوع عن هذا التوجه في شأن سِنِّ الزواج، وترك الأمر على ما مضى عليه المسلمون مما لم ترد الشريعة فيه بتحديد ولا تقييد، ثم ما يقع من مشكلات يعالج من قبل المحاكم

الشرعية، كما هو الشأن في سائر القضايا.

وفق الله ولاة أمرنا للثبات على تحكيم الشريعة في جميع الأمور، وأعاذهم من شر أعداء الإسلام، وحفظ هذه البلاد المباركة من كيد الكائدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت