غير أن هذا بحد ذاته لا يعني منع وجود أكثر من درجة للتقاضي، فثمة شواهد من السنة النبوية ومن فعل الصحابة رضوان الله عليهم تدل على جواز رفع الدعوى مرة أخرى لدى قاض آخر عند وجود ما يوجب ذلك (1) .
غير أن هذه الشواهد لا ترقى لتجعل من التقاضي على درجتين أو أكثر أصلًا من أصول القضاء الإسلامي، بل الأصل فيه - على ما نرى - أن يكون على درجة واحدة (2) . وهذا الأصل يدعمه أمران (3) :
الأول: ما يترتب على إعمال هذا المبدأ من سرعة البتّ في الخصومات و عدم إطالة أمدها، وهذا فيه مصالح ظاهرة للمتخاصمين وللمجتمع وللنظام القضائي ذاته.
والثاني: أنّ الشريعة الإسلامية قد أوجدت من الضوابط ما يقلل احتمالية وقوع الخطأ لدرجة عالية، ابتداء من اعتنائها بمواصفات شخصية القاضي، و إلزامه بمشاورة الفقهاء، و الأخذ بوجوب تعدد القضاة في بعض المواضيع، و غيرها من الإجراءات.
غير أن هذا الأصل يرد عليه أمر آخر ذو أهمية بالغة، وهو وجوب نقض الحكم إذا خالف أحكام الشريعة الإسلامية الثابتة، أو ثبتت مجانبته الواضحة للحق ومقتضيات العدالة (4) . وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة (5) ، على تنوع في عباراتهم، التي اخترت جانبًا منها فيما يلي:
(1) انظر: المرجع السابق ص205 -207. الدرعان، عبد الله بن عبد العزيز ، القواعد الإجرائية في المرافعات الشرعية، 132-133.
(2) الفقير، أسامة، أصول المحاكمات الشرعية الجزائية، ص 531، والحمادي، حسن، نظرية حجية الحكم القضائي، ص 70-71.
(3) الفقير، مرجع سابق ، ص 532-533
(4) يقول ابن فرحون:"يحمل القضاء على الصحة ما لم يثبت الجور". تبصرة الحكام، ج1ص83.
(5) داود، احمد، أصول المحاكمات الشرعية، ج 2 ص 763