وعلى ذات طريقة النبي صلى الله عليه وسلم سار أبو بكر الصديق ، فكان يقضي بين الناس في المدينة وكان ولاته يقضون بين الناس في الأقاليم ، وكانت مصادر القانون في عهده: القرآن والسنة والاجتهاد بعد البحث ومشورة الصحابة .
وذكر البعض أنه أسند القضاء في المدينة إلى عمر بن الخطاب ، فظل سنتين لا يأتيه متخاصمان لما عرف به من الشدة ، كما أنه بعث أنسا قاضيا إلى البحرين .
ولما انتشر الإسلام في عهد عمر ازدادت أعباء الحكم ، وتوسعت مهام الولاة ، فصل عمر بن الخطاب القضاء عن الولاية ، وعين للقضاء أشخاصا غير الولاة، وفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية: فعيّن أبا الدرداء معه قاضيا في المدينة، وعين شريحا قاضيا في البصرة، وعيّن أبا موسى الأشعري قاضيا في الكوفة. (1)
كان عثمان بن عفان أول من خصص دارًا للقضاء، وكان القضاء في عهد الخليفتين قبله في المسجد. وكان عثمان يستشير في قضائه عليًا وغيره قبل إصدار حكمه. وقد عرض منصب القضاء على عبدالله بن عمر، فاعتذر عن القبول، رغم إصرار عثمان. وقال له:"أما سمعت رسول الله يقول: من استعاذ بالله فأعيذوه (2) ، وأنا أعوذ بالله أن أكون على القضاء"، وقيل إن عثمان بن عفان لم يستعمل قاضيا في المدينة.
وحكم علي بن أبي طالب بين الناس، ولما خرج إلى البصرة استخلف عبدالله بن عباس على المدينة، وولى أبا الأسود الدؤلي إمارة البصرة وقضائها، وكلفه بوضع كتاب في أصول النحو، ثم عزله بعد مدة لثرثرته، لأن ( كلامه كان يعلوا على كلام الخصمين ) .
(1) المقدمة: ص174
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة باب عطية من سأل بالله ( 1672 ) 2/128 ، والنسائي في المجتبي كتاب الزكاة باب من سأل بالله عز وجل ( 2567 ) 5/82 ، وأحمد في مسنده ( 5365 ) 2/68 .