وحال الكثير اليوم: جمع ما لا يأكل، وبني ما لا يسكن .. وحتى إن أكل وسكن سنوات معدودة وأزمنة محدودة.
قال أبو حازم: إن عوفينا من شر ما أعطينا؛ لم يضرنا فقد ما زوي عنا [1] .
هي القناعة لا تبغي بها بديلًا ... فيها النعيم وفيها راحة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن [2]
قال أبو محرز الطفاوي: شكوت إلى جارية لنا ضيق الكسب عليَّ وأنا شاب، فقالت لي: يا بني استعن بعز القناعة عن ذل المطالب. فكثيرًا ما رأيت القليل عاد سليمًا، قال أبو محرز: ما زلت أعرف بركة كلامها في قنوعي.
كل من لاقيت يشكو دهره ... ليت شعري هذه الدنيا لمن؟ ! [3]
هل رأيت أخي غير ذلك؟ ! ولكن القناعة: مكسب وعز، والنفس خير مركب ..
وقد قال شعيب بن حرب: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل، ومن تهيأ للذل، أطلق عنانه، ولم يمسك بلجامه .. يتساوى لديه: الحلال والحرام، والرد والصد .. يجري خلف المادة، ويلهث وراء الدنيا .. وكان أبو حازم يرى هذا الجري وذاك اللهث، فقال: لوددت أن
(1) أدب الدنيا والدين: 121.
(2) التذكرة: 11.
(3) موارد الظمآن: 2/ 71.