وقد ردَّ الإمام القرطبي على هذا الاستدلال , وقال:"ليس بشيء", وأنكر على أبي عبيد , بل لم يُنكَرْ على أبي عُبيد في اختياراته كما أُنكِرَ عليه في اختياره هذا؛ لأنه لا يدل عليه الإعراب , ولا اللفظ , ولا المعنى.
أمَّا من جهة الإعراب: فإن ابن مسعود < قرأ هذه الآية: {إلا أَنْ تَخافوا ألاَّ يُقِيما حُدُود الله} .
فإن كان الأمر على ما ذكره أبو عُبيد , فسيقال:"إلا أَنْ يخاف أَلاَّ يُقيما حُدُودَ الله".
وقراءة بن مسعود متفقة مع بقية السياق , {إلا أَنْ تَخافوا ألاَّ يُقِيما حُدُود الله" (( (( (( خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ."
لكن إن فُسِّرَ {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} , على ما ذكره أبو عبيد , فالمفترض أن يكون السياق:"فَإِنْ خِيفَ أَلاَّ يُقيما حُدُودَ الله".
وأمَّا من جهة المعنى: فهل يُستساغ من جهة المعنى أن يُقال:"إذا خاف غيركما أن لا تُقيما حدود الله , فلا جناح على الرجل أن يأخذ من امرأته ..."؟.
أي: إن خاف غيرهما , وهما لم يخافا!!!
فلا يصح هذا من جهة المعنى؛ فالصواب أنه لا يحتاج إلى السلطان , ولكن إن تراضيا عليه , كان هذا الأمر جائزًا.
نرجع إلى الحديث:
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَا أَعْتِبُ عليه في خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ ...
ولذلك قال ابن قدامة: ويُشرع الخلع إذا كرهت المرأةُ زوجها لخَلْقِه أو خُلُقِه أو دينه أو كِبَرَهِ أو ضعفه أو نحو ذلك , وخشيت أن لا تؤدي حق الله في طاعته [1] . اهـ.
لأن من مقاصد النكاح الأساسية: الإعفاف , فإن خَشِيَتِ المرأةُ على نفسها لضعف زوجها أو لِكِبَرِ سنه , وهي لا تزال شابة , فيجوز لها أن تختلع منه في مقابل مالٍ تبذله له؛ لئلا تقع في المحرم من جهتين:
-استمرارها معه مع بغضها له , وهذا لا يجعلها مطيعة له على الوجه الذي أوجب الله - عز وجل -.
-قد يوقعها في الفاحشة.
(1) - المغني (8/ 174) .