ودليله من السنة:
ما ثبت عند البخاري من حديث ابن عباس أنه قال: جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَا أَعْتِبُ عليه في خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ , وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ في الإِسْلاَمِ. فَقَالَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فقَالَ - صلى الله عليه وسلم: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ , وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً [1] .
فهذا الحديث هو الذي سوف نستصحبه معنا ونحن نتناول مسائل الخلع المختلفة.
المسألة الأولى: هل يحتاج الخلع إلى السلطان , أم أنَّ الرجل والمرأة , إذا تراضيا عليه وقع؟
عامة أهل العلم , الأئمة الأربعة , وسفيان الثوري , والأوزاعي , وإسحاق , وأهل الظاهر , وغيرهم , أنهم إذا تراضيا على هذا الأمر فإنه يقع , ولا يفتقر إلى السلطان , شأنه في ذلك كشأن سائر العقود التي تتم عن تراضٍ , كعقود الزواج , وكذلك الطلاق , والبيع ... وكل هذا لا يُحتاجُ فيه إلى السلطان.
وأمَّا الذين قالوا: يُحتاجُ فيه إلى السلطان , فسبب قولهم هذا أنَّ"حمزةَ"قرأ هذه الآية: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} .
بضم الياء , بالبناء على ما لم يُسَمَّ فاعله.
قالوا: والفاعل هنا محذوف , وتقديره: الولاة والحكَّام.
فالفعل مبني للمجهول , والمعنى:"إلا أن يُخاف الحكام والولاة".
و {يَخَافَا} : أي: يُخاف منهما.
وهذا اختاره أبو عبيد - القاسم بن سلام ~ - , قال: وذلك لأن الله - عز وجل - قد قال بعد ذلك: ... {فَإِنْ خِفْتُمْ} , ولو أراد - عز وجل - الزوجين , لقال:"فَإِنْ خَافَا أَلاَّ يُقيما حُدُودَ الله".
قال: وهذا حجة لمَن قال:"إن الخلع يُحتاج فيه إلى السلطان", وهو مذهب الحسن البصري , ومحمد بن سيرين.
قال شعبة لقتادة: عن مَن أخذ الحسن"الخلع إلى السلطان"؟
فقال: عن زياد.
وزياد كان قاضيًا في عهد عثمان , وفي عهد عليٍّ.
(1) - أخرجه البخاري (4971) في كتاب الطلاق , باب: الشقاق وهل يشير بالخلع عند الضرورة؟