ومن أجل أَنَّ المؤلف اعتمد على كتب الأدب ونحوها في النقل، ولا سيما في موضوع دقيق يتعلق بتاريخ صحابي جليل، وهو أبو هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وأنه أخذ في البحث وهو متشبع بهوى خاص، فقد وقع في أخطاء نربأ بطالب مبتدئ أَنْ يقع فيها.
فمن ذلك ما ذكره في [ص 156] من التهكم بأبي هريرة وتسميته بشيخ المضيرة، قال نقلا عن كتاب"ثمار القلوب"للثعالبي: «وكان يعجبه المضيرة جِدًّا فيأكل مع معاوية، فإذا حضرت الصلاة صَلَّى خلف عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، فإذا قيل له في ذلك قال:"مُضَيْرَةُ مُعَاوِيَةَ أَدْسَمُ وَأَطْيَبُ، وَالصَّلاَةُ خَلْفَ عَلِيٍّ أَفْضَلُ"، وكان يقال له شيخ المضيرة» [1] .
وكيف يصح هذا في العقول وعَلِيٌّ كان بالعراق ومعاوية كان بالشام وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه بعد أَنْ تولى إمارة البحرين في عهد عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لم يفارق الحجاز، قال الإمام ابن عبد البر: «اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى البَحْرَيْنِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، ثُمَّ أَرَادَهُ عَلَى العَمَلِ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْكُنُ المَدِينَةَ وَبِهَا كَانَتْ وَفَاتُهُ» [2] .
اللَّهُمَّ إِلاَّ إذا كان المؤلف يرى أَنَّ أبا هريرة أُعْطِيَ بساط سليمان أو كانت تُطْوَى له الأرض طَيًّا!!!.
وفي [ص 157] ينقل عن أحد المؤلفين في سيرة سيدنا أبي هريرة - بعد أَنْ أضفى عليه من الألقاب الفضفاضة ما أضفى - قوله: يظهر من هذه الحكاية وغيرها أنه مِمَّنْ حضر وقعة صفين وأنه كان يصانع الفئتين ثم قال: وَحَدَّثَ غير واحد أَنَّ أبا هريرة كان في بعض الأيام يصلي
(1) المُضَيْرَةُ: مريقة تطبخ باللبن المضير، أي الحامض. وربما خلط بالحليب، وكان من أطايب الأطعمة يومئذٍ.
(2) "الاستيعاب": 4/ 209 هامش"الإصابة".