ومن ثبت كفره بعد هذا النوع من الاستتابة؛ فإنَّ عرض التوبة عليه لا يلزم - كما في الحال الأولى - وإن ثبت وجود الموانع في حقِّه وأُزيلت، فأصرَّ؛ كان مرتدًّا لا تلزم استتابته، وإن تاب ورجع؛ كان على إسلامه.
وحيثُ قلنا: إنَّ الاستتابة لا تجب، فإنَّ هذا لا يعني تحريمها، بل الاستتابة مستحبَّةٌ مندوبٌ إليها في جميع الأحوال، فإنَّه:"لا أحدَ أحبُّ إليه العذر من الله"- كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلاَّ إن ترتّب على الاستتابة تعطيل جهاد المرتدّ الممتنع بالشوكة، فلا يجوز تعطيل الواجب للمستحبِّ، فالاستتابة موضعها حال السعة في المقدور عليه.
واختلف في توبة الزنديق؛ فإن قُلنا بعدم قَبولها، فلا معنى للاستتابة، ولا تُشرع وجوبًا ولا استحبابًا.
والخلاصة:
أنَّ من ارتكب هذا الناقض - وكان متقوّيًا بشوكة الكفار - يُحكم بكفره على ظاهره، ويسمَّى كافرًا بالعين، ويُعامل معاملة الكافر في جميع الأحكام من القتال وغيره، دون الشهادة عليه بالنار.
فإن عُرفت حاله أو مكّن الله منه أحدًا من المسلمين وجب أن يُنظر هل يثبت في حقِّه مانع من موانع التكفير أم لا؟
فإن ثبت في حقه مانع من موانع التكفير - كالإكراه أو التأويل المعتبر - فهو مسلمٌ، يجب بيان الحقِّ له وإزالة المانع، فإن تابَ، وإلاَّ حكم بردّته وقُتل، وهذا الموضع هو الَّذي تجب فيه الاستتابة.
وإن لم يثبت في حقِّه مانع من الموانع؛ فهو كافرٌ، يجوز قتله دون استتابة، ولكنَّ الاستتابة مستحبَّةٌ لأنَّها من تمام إقامة الحجَّة عليه.
فهذا ما يتعلق بالمسألة على الاختصار.
وللاستزادة؛ راجع"كتاب الجامع في طلب العلم الشريف"لعبد القادر بن عبد العزيز، في موضعين منه؛"نقد الرسالة الليمانية"، و"نقد كتاب القول القاطع"، وراجع أيضًا كتاب"الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير"لأبي محمد المقدسي، في الفصل الثالث عند قوله:"تنبيه: في أن قاعدة الأصل في جيوش الطواغيت وأنصارهم الكفر لا غُبار عليها".
ولعل الله يُيسِّر كتابة رسالةٍ أبسطَ من هذا تُستوفى فيها الأدلَّة وتُبيَّن فيها المسألة.