عليهم إذا تاب عن ردته والتزم شرائع الإسلام، كان ذلك عاصما له من القتل، وله أخوه الإسلام.
أما المقدور عليه منهم من المحاربين قبل توبته ورجوعه ألي الإسلام فلا عصمة له.
صحيح إن الأصل في المرتد محاربًا كان أو غير محارب، ذكرًا كان أم أُنثى ليس أمامه إلا التوبة والرجوع إلى الإسلام أو القتل إذا أصر على ردته، إذ لا مصلحة في تركه على ردته، هذا هو الأصل كما ذكرت وأما القول بوجوب قتل كل مرتد - سواء كان محاربًا أو كان غير محارب - حتمًا مهما كانت الأحوال، وان ولي الأمر من أمير أو سلطان أو حاكم ليس له إلا ذلك، لم أجد هذا القول في أقوال من اطلعت عليه من أهل العلم بل العكس صحيح، من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده، ومن أقوال أهل العلم السابقين والمعاصرين، إذ إن هذه المسالة تنضوي تحت السياسة الشرعية التي يراعي فيها ولي الأمر تحقيق المصلحة، ودرء المفسدة عن الأمة بحسب الإمكان، وانه مخير فيه على ما يصل أليه اجتهاده، وكان هذا شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمته.
يقول ابن القيم رحمه الله: (وكان هديه قي الأسرى: يمن على بعضهم، ويقتل بعضهم ويفادي بعضهم بالمال، وبعضهم بأسرى المسلمين، وقد فعل ذلك كله بحسب المصلحة) [زاد المعاد ج3/ 99 طبعه مؤسسه الرسالة] .
وقال عن قتل اليهودية لبشر بن البراء بالسم: (فإن قيل فهلا قتلت بنقض العهد قيل هذا حجة من قال أن الأمام مخير في ناقض العهد كالأسير) [زاد المعاد 3/ 311] ... إلى أن قال: (وعلى هذا فهذه المرأة لما سمت الشاة صارت بذلك محاربة وكان قتلها مخيرًا فيه) [زاد المعاد 3/ 311] .
ولم يكن يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم مع الكفار الأصليين خاصة بل ترك قتل بعض المرتدين كذلك.
يقول الشيخ صفي الرحمن المباركفوري: (وأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ - أي بعد فتح مكة - دماء تسعة نفر من أكابر المجرمين، وأمر بقتلهم وان وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سرح ... ) ، إلى أن قال: (فأما ابن أبى سرح، فجاء به عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشفع فيه فحقن دمه، وقبل إسلامه بعد أن امسك عنه، رجاء أن يقوم إليه بعض الصحابة فيقتله، وكان قد اسلم قبل ذلك وهاجر، ثم ارتد ورجع إلى مكة) [الرحيق المختوم/406 طبعه مؤسسه الرسالة] .