الصفحة 6 من 19

فتجد أخي في الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك قتل عبد الله بن بي سرح وهو مرتد، بشفاعة عثمان رضي الله عنه ولو كان قتل المرتد حدًا لا رخصه في تركه لما تركه، لان الحدود لا تقبل فيها الشفاعة فهي من حق الله، ولكن لما كان ذلك من السياسة الشرعية كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيرًا فيها، كما هو الشأن في التعازي التي ترجع إلى نظر الأمام والتي نص العلماء على قبول الشفاعة فيها.

إن أمور الحرب وما يتعلق بها من أحكام ومنها قتل الأسير المرتد أو عدم قتله هي من الأمور المتعلقة بمنصب الامامه لا بمنصب الرسالة والنبوة.

يقول ابن القيم رحمه الله - بعد أن ذكر ما يصدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن منها ما يصدر بمنصب النبوة والرسالة ومنها ما يصدر بمنصب الفتوى ومنها ما يصدر بمنصب الامامه والحكم وفصل في ذلك وأورد الامثله - وقال بعد ذلك كله: (وقد يقول - أي النبي صلى الله عليه وسلم - بمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للامة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال، فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك حسب المصلحة التي راعها النبي صلى الله عليه وسلم زمانًا، ومكانًا، وحالًا) [زاد المعاد: ج3/ 430] .

ويوضح الأمام ابن القيم هذا الأمر في موضع آخر فيقول: (واخذ الأحكام المتعلقة بالحرب، ومصالح الإسلام وأهله، وأمره، وأمور السياسة الشرعية، من سير رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال، فهذا لون، وتلك لون، وبالله التوفيق) [زاد المعاد ج3/ 129] .

فتأمل - هداك الله - إلى قوله (أولى) ولم يقل (يجب) وقارن ذلك بقوله السابق يتبين لك أن هذه الأحكام من مسائل السياسات الشرعية التي توافق الشرع وتحقق مصالحه ومصالح المسلمين، وان لم ينص عليها الشرع.

يقول ابن القيم رحمه الله: (وقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وابعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي، فان أردت بقولك؛"إلا ما وافق الشرع"؛ أي لم يخالف ما نطق به الشرع، فصحيح، وإن أردت؛"لا سياسة إلا ما نطق به الشرع"، فغلط وتغليط للصحابة) [الطرق الحكميه/33] .

ومن ذلك تجد غلط من يطالب بالنص الشرعي الذي يدل على ما يقرره الأمير من أمور السياسة الشرعية التي هي من واجباته التي يستعين بها بمشاورة أهل الحل والعقد من آهل الدين ممن لهم خبره في أمور الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت