مفاسد التدليس عظيمة جدًا ومتعددة، منها: أولًا: أعظم هذه المفاسد التي تنبع وتنتج من التدليس: تحليل الحرام وتحريم الحلال، بمعنى: أن المدلس إذا دلس على حديث ضعيف مثلًا، أو فيه راو ضعيف، فأسقط الضعيف وجعل سلسلة الإسناد كلها سلسلة منتقاة من الثقات، كل تلميذ فوقه شيخ ثقة، فالحديث أمام الناظر إليه أو غير المدقق يراه حديثًا صحيحًا، ويكون هذا الحديث مثلًا قد أحل حرامًا كأن النبيذ حلال، أو أن لحم الخنزير حلال، فإن كانت الرواية رفعت للنبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح فلابد أن يقال: هذا حلال؛ لأنه مستثنى من الأصل العام، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك، فمن المفاسد العظيمة أنه إما أن يحل حرامًا بحكم مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، أو يحرم حلالًا أيضًا بحكم رفع للنبي صلى الله عليه وسلم، وطبعًا هذا نابع ومستقى من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإنما حرم رسول الله كما حرم الله، ألا وإنما أحل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أحل الله) ، فإذا رفع حديثًا حكمه حكم الرفع للنبي صلى الله عليه وسلم يحل شيئًا أو يحرم شيئًا، وهذا الحديث في ظاهره الصحة، وفي باطنه أنه ضعيف، وأنه في بعض الطبقات من الوهن بمكان، فقد أحل حرامًا وحرم حلالًا، وهذه جناية شديدة جدًا على الشرع، وهو أيضًا من مفاسد الشريعة.
وهذه المسألة بينها جليًا نوح الجامع الذي قال فيه العلماء: نوح الجامع قد جمع كل شيء إلا الصدق، وعندما أخذوه ليعاقب على ذلك فيصلبوه قال: كيف تفعلون بألف حديث قد وضعت على الرسول صلى الله عليه وسلم، أو كلمة نحو ذلك، يعني عدد نحو هذا، فقال له الأمير: يعيش لها الجهابذة، هم الذين يقفون بالمرصاد لهذه الأحاديث، لكن بتوعير الطرق على النقاد وبتضعيف حديث أو تصحيح حديث ينقلب الحرام حلالًا وينقلب الحلال حرامًا.