قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [المائدة: 5/ 112] .
وقرأ الكسائي: (هل تستطيع ربّك) [1] . وقرأ الباقون: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [2] .
وتوجيه قراءة الكسائي: هل تقدر يا عيسى أن تسأل ربك؛ لأنهم كانوا مؤمنين، وقد أثنى الله عليهم، وأوحى إليهم [3] ، كما في قوله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي [المائدة: 5/ 111] ، وكانت عائشة تقول: كان القوم أعلم بالله من أن يقولوا: (هل يستطيع ربك) إنما قالوا: (هل تستطيع ربّك) [4] .
واحتجّ أبو زرعة لاختيار الكسائي بقوله: الله تعالى سمّاهم حواريين، ولم يكن الله ليسميهم بذلك وهم برسالة رسوله كفرة.
قال أهل البصرة- يريد الكسائي وأصحابه- المعنى: (هل تستطيع سؤال ربك) فحذف السؤال، وألقى إعرابه على ما بعده فنصبه كما قال: واسأل القرية، أي أهل القرية [5] .
والمراد أنهم حين ذكروا الاستطاعة أرادوا بها الاحتجاج للسيد المسيح عليهم، كأنهم قالوا:
(1) ويجدر الإشارة هنا إلى أن الكسائي أدغم اللام في التاء: هل تستطيع، وهو وجه في القراءة والأداء لا يؤثر على المعنى.
انظر السبعة في القراءات لابن مجاهد 249.
(2) سراج القاري لابن القاصح العذري 205. وعبارة الشاطبي:
وخاطب في هل يستطيع رواته ... وربك رفع الباء بالنصب رتلا
وانظر السبعة في القراءات لابن مجاهد 249.
(3) لا جدال في التصريح بأن الله أوحى إلى الحواريين، لقوله سبحانه: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ ولكن ما طبيعة هذا الوحي؟ ثمة تأويلان: الأول: أوحى إليهم عن طريق رسله. الثاني: أوحى
إليهم وحي إلهام. كما في قوله سبحانه: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه.
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/ 364.
(5) حجة القراءات لأبي زرعة 240.