قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ .. [الجاثية: 45/ 21] .
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: سَواءً مَحْياهُمْ بالنصب، وجعلوه المفعول الثاني من (نجعلهم) ، والهاء والميم المفعول الأول، وإن جعلت كَالَّذِينَ آمَنُوا المفعول الثاني، نصبت (سواء) على الحال، وترفع (محياهم) بمعنى: استوى محياهم ومماتهم. والمعنى: أحسبوا أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم؟ أي: أن يعطوا في الآخرة كما أعطوا في الدّنيا.
وقرأ الباقون: (سواء) بالرفع [1] ؛ جعلوه مبتدأ، وما بعده خبرا عنه.
قال مجاهد: قوله: (سواء محياهم ومماتهم) أي: يموت المؤمن على إيمانه، ويبعث عليه، ويموت الكافر على كفره، ويبعث عليه. وهذا التفسير يدلّ على هذه القراءة [2] .
قال القرطبي: «وقرأ العامة: سواء بالرفع على أنه خبر ابتداء مقدّم، أي: محياهم ومماتهم سواء، والضمير في (محياهم ومماتهم) يعود على الكفار، أي: محياهم سوء، ومماتهم كذلك، وقرأ حمزة، والكسائي، والأعمش: سواء؛ بالنّصب» [3] .
واختار أبو عبيدة أي نجعلهم سواء، وقال: تمّ الكلام عند الصالحات. ثم استأنف فقال:
سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ أي: سواء حياة الكافر ومماته. هو كافر حياته ومماته، والمؤمن مؤمن حياته ومماته [4] .
وأيّا كان المعنى فإن هذه الآية من أكثر الآيات وعيدا، ومنها توجل قلوب المؤمنين، ومن المناسب هنا أن نورد طرفا من أدب السلف الصالح في تلاوة هذه الآية: قال إبراهيم بن الأشعث:
كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية، ثم يقول: ليت شعري
(1) حجة القراءات 661. تقريب النشر 173.
(2) نقل هذا القول عن مجاهد شيخ المفسرين كل من: ابن جرير الطبري في جامع البيان 25/ 90، الجلال السيوطي في الدّر المنثور 6/ 34، القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 16/ 166، أبو زرعة في حجة القراءات 661.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 16/ 166.
(4) مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى 210.