فهرس الكتاب
قلنا: قد ذكرنا أن الإحصار ليس بالمرض بعينه لكن منع بسبب المرض فيستفاد به التحلل بالدم ولا يباح به الحلق إذا لم يتأذَّ به رأسه وبمرض يتأذى به رأسه يباح الحلق أو بنفس الأذى وإن لم يمنعه عن الذهاب فلا يباح به التحلل فكانا غيرين وتكون العبارة عنهما على أن عطف الخاص جائز على العام كعطف جبريل وميكائيل وغير ذلك .
فإن قيل: كيف يستقيم هذا والله يقول في آخر الآية:"فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج"يعني: زال عنكم السبب المانع ولو كان السبب المانع مرضًا لكان من حق الكلام: فإذا شفيتم فلما قال: أمنتم علم أن المانع كان خوف العدو .
قلنا: يقال في اللغة: أمن الرجل إذا شفي وإنما يعني به: إذا زال عنه خوف عدو أو سبع .
قلنا: روى في التفسير فإذا أمنتم من الوجع ويقال: مرض مخوف ومرض يؤمن معه فلا كلام على هذا .
على أنه نبه في الأول على المرض فدخل تحته العدو على طريق الأولى .
ثم عاد إلى الطرف الآخر في آخر الآية وهذه سنة معتادة في التنزيل إذا اجتمع شيئان يذكر طرفًا من كل واحد من الشيئين .
ألا ترى أنه ذكر الركعتين مع الإمام في صلاة الخوف عن طائفتين وذكر مثل العدو في قوله:"ومثل الذين كفروا"مثل الداعي في الطرف الآخر في قوله:"كمثل الذي ينعق"فكذا ههنا ذكر المرض أولًا فدخل تحته العدو ثم ذكر الأمن من العدو فلم يكر على الأول بالنقض والإبطال .
ومن ذلك قوله تعالى:"سيهديهم ويصلح بالهم".
أي: يهديهم إلى طريق الجنة .
وقال:"فإن الله لا يهدي من يضل".
أي: لا يهدي إلى طريق الجنة .
قال:"من يهد الله فهو المهتد"أي: من يهد الله إلى الحق .
وأما قوله:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم".
فإنه يكون مثل قوله:"سيهديهم ويصلح بالهم"بدلالة اتصال الحال به وهو قوله:"تجرِي من تحتهم الأنهار في جنات النعيم".
ويكون الظرف على هذا متعلقًا ب يهديهم أعني: بإيمانهم ويجوز أن يكون يهديهم في دينهم كقوله:"والذين اهتدوا زادهم هدى".
فأما قوله:"ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا".
فقوله:"صراطًا مستقيما"على فعل دل عليه يهديهم كأنه: يعرفهم صراطًا مستقيما ويدلهم عليه .
وإن شئت قلت: إن معنى يهديهم إليه: يهديهم إلى صراطه .
فيكون انتصاب صراط كقوله: مررت بزيد رجلًا صالحًا .
ومن ذلك قوله تعالى:"وإن يأتوكم أسارى تفادوهم"أي: تفادوهم بالمال .