فهرس الكتاب
وأما قوله تعالى: أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين فنقول: من قال يرون يحتمل رؤية العين ورؤية القلب فمن قال: هو من رؤية القلب ففي المعنى يتعدى إلى مفعولين فإذا جعلتها المتعدية إلى مفعولين سد مسدهما .
وأن تكون من رؤية العين أولى لأنهم يستنظرون في مشاهدة ذلك والإعراض عنه وترك الاعتبار به وهذا أبلغ في هذا الباب من المتعدية إلى مفعولين ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر من المنصرف عما يشاهد .
ومن قرأ أولا يرون فبنى الفعل للمفعول به كان أن في موضع نصب بأنه مفعول الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد وذلك أنك تقول: رأى عمرو كذا وتقول: أرأيت عمرًا كذا فيتعدى إلى مفعولين بالنقل فإذا بنيت الفعل للمفعول به تعدى إلى مفعول واحد كالدرهم في قولك: أعطى زيد درهمًا .
ولا يكون يرون هنا كالتي في قولك: أرى زيدًا منطلقًا لأن المعنى: ليس على: يظنون أنهم يفتنون في كل عام إنما المعنى: على أنهم يشاهدون ذلك ويعلمونه علم مشاهدة .
وليس المعنى: أنهم يظنون الفتنة في كل عام لأن الظن في الفتنة ليس بموضع اعتبار وإنما فزعوا على ترك الاعتبار بالمشاهدة وأنهم فهذا وجه قراءة من ضم الياء أن قرئ به .
قوله تعالى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت .
دخلت اللام في إبراهيم على حد دخولها في: ردف لكم .
ألا ترى أن بوأ يتعدى إلى مفعولين قال: لنبوئنهم من الجنة غرفًا .
وقال: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق .
فيجوز أن يكون المبوأ المفعول الثاني كما أن مكان البيت كذلك كل واحد منهما يجوز أن يكون ظرفًا وأن من قوله: أن لا تشرك بي شيئًا .
يجوز أن يكون بمعنى أي: لأن ما قبلها كلام تام ويجوز أن تكون الناصبة للفعل وصلت بالنهي كما توصل بالأمر .
ويجوز أن يكون تقديره لإبراهيم أي: لمكان إبراهيم أي: مكان دعوته وهو قوله: فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم .
وأما قوله: أن تبوءا لقومكما فكالتي في قوله: ردف لكم والمفعول الأول كعلامة الضمير في قوله: لنبوئنهم .
ألا ترى أن المطاوع من الأفعال على ضربين: أحدهما: لا يتعدى نحو: انشوى وانتأى في مطاوع له: شويته ونأيته .
والآخر: أن يتعدى كما تعدى ما هو مطاوع له وذلك نحو تعلقته وتقطعته فتعلقته يتعدى كما تعدى علقته وليس فيه أن ينقص مفعول المطاوع عما كان يتعدى إليه ما هو مطاوع له .
فإذا كان كذلك كان اللام على الحد الذي ذكرنا .