فهرس الكتاب
وأبدًا إنما يليق الإضمار بما تقدم في الكلام حتى يعود إليه ولا يضمر شيء لم يجر ذكره والآية متعلقة به فجميع ما جاء في التنزيل من قوله: فمن اضطر غير باغ ولا عاد إنما جاء عقيب ذكر الميتة وتحريم أكلها ولم يأت في موضع بعد حديث الإمام والأمة فما بال العدول عن نسق الآية إلى إدخال شيء في الكلام وإضماره ولم يجر له ذكر فانتصاب غير إنما هو على الحال من الضمير في أكل لا في اضطر .
فإن قلت: فهل يجوز حذف الصلة وإبقاء الموصول والصلة بعض الموصول ولا يجوز حذف بعض الاسم فإذا أضمرتم أكل فهو داخل في صلة من فما وجه ذلك قلنا: إن من وصلت بفعلين: أحدهما اضطر والآخر أكل فإذا ذكر اضطر وذكر ما انتصب عن فاعل أكل كان أكل كالمذكور الثابت في اللفظ إذ المنصوب لا بد له من الناصب .
وإذا ذكرت اضطر وجعلت غير باغ حالًا من الضمير فيه ثم أضمرت بعده أكل كنت أضمرت شيئًا يستغنى عنه في الصلة لأن الموصول قد تم بالفعل وما يقتضيه ولم تذكر معمولًا يحتاج إلى عامل وكنت كأنك أضمرت شيئًا فاضلًا .
فالأحسن أن تضمر الفعل بجنب الفعل ويصرف الحال إلى الضمير في الفعل المضمر دون الفعل الظاهر وإضمار أكل على الحد الذي أضمرنا يقتضيه نصب غير باغ وتعليق الغفران به
وعلى الحد الذي يقوله السائل يضمره لتعلق الغفران به دون تعليق الحال به .
وهكذا القول في: فمن فانتصاب غير إنما هو من فاعل أكل وفيه قولان: أحدهما: أن يأكل ما حرم عليه مما قدم ذكره من غير ضرورة .
والثاني: ألا يتجاوز في الضرورة ما أمسك الرمق ولا ينتهي إلى حد الشبع .
ويجوز على القول الأول أن ينتهي إلى حد الشبع .
فإن قيل: إذا كان هذا الأكل مباحًا فلماذا عقبه قوله: فإن الله غفور رحيم ولا معصية هناك فجوابنا أن المراد به أنه غفور إن وقع في هذه الرخصة ضرب من التجاوز لأن ذلك من حيث رخص في ذلك عند الشدة .
ومن ذلك قوله تعالى: وما أكل السبع أي: ما أكله السبع أي: أكل بعضه فحذف المضاف المفعول .
ومن ذلك قوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات أي: والسموات غير السموات
ومثله ما روى من قوله عليه السلام: ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده أي: ولا ذو عهد في عهده بكافر .
ونحو ذلك مما يذكر على تكرير المفعول فيه وحذفه لتقدم ذكره فيما تقدم من الكلام .
ومن حذف الفاعل وإضافة المصدر إلى المفعول قوله تعالى: يخشون الناس كخشية الله أي: كخشيتهم من الله .