فخرجوا إلى جزيرة الغنم،"فوجدوا فيها من الغنم ما لا يأخذه عد، وهي سارحة لا ناظر لها ولا راعي، فنزلوا الجزيرة، فوجدوا عين ماء جارية وعليها شجرة تين، فأخذوا من تلك الغنم، فوجدوها مرة لا يقدر أحد على أكلها، فاخذوا من جلودها، وساروا مع الجنوب إثنى عشر يوما إلى أن لاحت لهم جزيرة فنظروا فيها إلى عمارة وحرث، فقصدوها ليروا ما فيها، فما كان غير بعيد حتى أحيط بهم في زوارق هناك فاخذوا وحملوا في مركبهم إلى مدينة على ساحل البحر، فأنزلوا بها في دار، فرأوا بها رجالا شقر از عرا و هم طول القدود ولنسائهم جمال عجيب فاعتقلوا منها في بين ثلاثة أيام، ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلم باللسان العربي فسألهم عن حالهم وفيما جاءوا وأين بلدهم، فأخبروه بحقيقة الحال، فوعدهم خيراوأعلمهم أنه ترجمان الملك، فما"
كان في اليوم الثاني من ذلك اليوم أحضروا بين يدي الملك فسألهم عما سألهم عنه ترجمانه فاخبروه بما أخبروا به الترجمان بالأمس من أنهم اقتحموا البحر ليروا ما به من العجائب ويقفوا على نهايته، فلما علم الملك ذلك ضحك وقال للترجمان أخبر القوم أن أبي أمر قوما من عبيده بركوب هذا البحر وإنهم ساروا في عرضه شهرا إلى أن انقطع عنهم الضوء وانصرفوا من غير حاجة ولا فائدة، ثم إن الملك أمر الترجمان أن يعدهم خيرا وان يحسن ظنهم بالملك ففعل ثم صرفوا إلى مكانهم الاول الذي حبسوا
جزيرة الغنم هي إحدى جزر الأنتيل على ضفاف القارة الأمريكية والملك الذي ردهم بعد ما سألهم هو ملك تلك الجزر - وهذه المرة الأولى التي حاول المسلمون المغاربة اكتشاف القارة الأمريكية، والمرة الثانية أواخر القرن السابع الهجري، فقد ذكر ابن الفضل الله العمري في مسالكه نقلا عن والي مصر ابن أمير حاجب، أن منسا بن موسى سلطان التكرور من السودان المغربي لما حج سنة 724 هـ ساله والي مصر عن انتقال الملك إليه فقال: إن الذي كان قبلي كان يظن أن البحر المحيط له غاية تدرك، فجهز رئيس من سفنه وشحنها بالرجال والأزواد التي تكفيهم سنين وأمر من فيها أن لا يرجعوا حتى يبلغوا نهايته أو تنفذ أزوادهم، فغابوا مدة طويلة، ثم عادت منهم سفينة واحدة وحضر مقدمها، فسأله عن أمرهم فقال سارت السفن زمانا طويلا حتى عرض لها في البحر في وسط الجة واد له جرية عظيمة فابتلع تلك المراكب وكنت اخر القوم، فرجعت بسفينتي فلم يصدقه، فجهزوا ألفي سفينة الفا للرجال والفا للأزواد واستخلفني، وسار بنفسه کفانا اخر العهد به من معه اه. وهكذا ذهب هذا الملك ومن معه ضحية محاولة اكتشافهم ما وراء المحيط وهم وإن لم يفلحوا في اكتشاف القارة الأمريكية فقد دل صنيعهم على ما كان لهم من عظمة في الأعمال البحرية وما لهم من همم عوال ونفوس تواقة للمعالي والتضحية في سبيلها بكل عزيز غال. نعم إن المسلمين المغاربة لم تذهب كل محاولاتهم سدى فقد اكتشفوا من جزر المحيط جزيرة تناريف التي سموها الخيزران بالقرب من القارة الأمريكية - واكتشفوا غيرها، منافسة لإخوانهم الشرقيين الذين تغلغلوا في المحيط الهندي واستعملوا سواحل شرق أفريقية والهند وشبه جزيرة مالقة واندونسيا وجزر بحر الصين، فهم القدوة لغيرهم من الأمم
الراقية. وقد اكتشف في العصر الحاضر قبيلة مكسيكية في إحدى مقاطعات المكسيك بمنطقة إيسولتان تحافظ على تقاليدها العربية
وتتكلم باللسان العربي، ولا تختلط بمن حولها من الأقوام، تسكن هناك منذ اربعمائة سنة، ونشرت جريدة الأهرام المصرية خبرها نقلا عن جريدة الهدى الامريكية عن طائفة من تجار الأتراك في تجوالهم هناك وعلق الكتاب على هذا النبا، باحتمال أن يكونوا من سلالة أحد أولانك العرب الذين خرجوا من لشبونة إذ لعل احدهم بقي هناك، ثم بعد ذلك هاجر إلى مكسيكا والذي يظهر لي وهو أولى أن يكونوا من هذه البعثة التي لم ترجع بالمرة، فلعل البعض منهم لكنهم
نجوا فاستوطنوا تلك البلاد والله اعلم - هامش الكانوني.