وقد ظلت هذه الزاوية بأسفي شاغلة فراغا كبيرا طيلة النصف من القرن السادس وكامل السابع والثامن والتاسع، على رغم التقهقر الذي كان يسري إلى ضرورة سريانه في جسم الأمة الإسلامية عموما، وفي الأمة الأسفية خصوصا حتى فاتح القرن العاشر الهجري كان سقوطها الأخير بانصباب البرتغال على هذه البلاد، فانطمست معالمها وذهبت تعاليمها.
ولو لم يكن من حسنات رجال هذا الرباط إلا حسنة واحدة لكانت كافية في فضلهم، ومفخرة عظيمة من مفاخرهم، ذلك هو الدعاء إلى حج بيت الله الحرام وزيارة نبيه عليه السلام، ذلك الركن الإسلامي والموسم الحفيل الذي هو الرابطة الوحيدة الإسلامية التي تربط المسلم باخيه وتجمعه به كل سنة، ولو تباعدت الديار ونأت الأقطار، فيعرف هذا هذا، ويفيد هذا هذا، وتتجدد أواصر المحبة والارتباط.
أجل كان للشيخ أبي محمد صالح رضي الله عنه في الدعاء إلى الحج والمؤتمر الإسلامي الأعلى المنظم من فوق سبع سموات، الأثر المحمود والمقام المشهود، حتى مهد له السبيل من المغرب وكون الركب الحجازي، فكان مهما انتهى إليه أحد بجعل أهم الشروط لصحبته إياه حج بيت الله الحرام، وبث أصحابه في المراكز من أسفي إلى الحجاز، بل جعل ولده السيد عبد العزيز بمصر حتى توفي بها، ثم كان حفيده السيد ابراهيم بن أحمد بن أبي محمد صالح بالأسكندرية، وكان بعده ولده العلامة أبو العباس أحمد بن ابراهيم مؤلف المنهاج الواضح، فكان الأصحاب المنبثون في المراكز مهما ورد عليهم أحد يريد الحجاز، فلا يجعلون له مجالا في المكث باي بلد حتى يحج ويزور، بل يمدون له اليد بكل ما لديهم من معونة ويسيرونه من القوافل بعد ما تحامى ذلك المغاربة لوعورة الطريق وكثافة الموانع، حتى قال قائلهم إن الحج ساقط عن أهل المغرب، فقام الشيخ أبو محمد وأصحابه لحرب هذه المقالة الصادمة لهذا الركن الإسلامي فبذلوا جهودهم في الحتك على الحج وتسيير الناس إليه وبنك الاصحاب في المراكز لياخذوا بيد الضعفاء ويعينوهم على سلوك الطريق إلى الأماكن المقدسة حتى يبلغوا الأمنية من أداء الفرض والواجب ويفوزوا بالأسرار المودعة فيه. كانت طائفة الشيخ أبي محمد صالح كجمعية تبشيرية بأرقى نظام كافل للنجاح، تحبب إلى الناس الحج"وتسهل عليهم الطريق وتزودهم إليه، فما أوسع نظر هذا الشيخ وما أكثر غوصه في فلسفة التشريع، فإنه رضي الله عنه رأى امتهان النفس في طاعة الله أمرا محمودا، شرعا ومعقولا، طبعا، ويظهر ذلك عند الموازنة بين تلك المفسدة التي هي المشقة الحاصلة في الطريق أو انفاق المال، وبين المصلحة الحاصلة بالحج"
أ- المرجع نفسه، ج 1، ص 350.
تاريخ إقليم أسفي طبعة الدارالبيضاء، سنة 2000، ص 201.