فهرس الكتاب
وأما «لا كيدا» ، و «لا رغما» ، و «لا غمّا» ، و «لا همّا» فمنصوبات بفعل مضمر من لفظهما لا يجوز إظهاره. وإنّما لم يجز إظهاره، لأنّ ما قبله يدل عليه مثل قولك: «لا أفعل ولا كيدا» ، أي: لا أفعله ولا أكيده كيدا، أي: لا أقاربه. ومعلوم أنه إذا قال: «لا أفعل كذا» أنّه قصد من الفعل، وبالغ في ذلك ومن المبالغة في ذلك أن يقع منه المقاربة.
وكذلك «لا غمّا» ، و «لا همّا» ، و «لا رغما» ، أي: ولا أهمّ به هما، ولا أرغمك به رغما، ولا أغمّك به غمّا.
وأما قولك: «أتميميّا مرة وقيسيّا أخرى» ، فمنصوب بإضمار فعل لا يجوز إظهاره.
(1) هذا القول من أمثال العرب، وقد تقدم تخريجه.
وأصله أنّ رجلا انتسب مرة لتميم ومرة لقيس، فقيل له: أتميميّا مرة وقيسيّا أخرى، ثم استعمل لكل من لم يستقر على حالة.
ولم يظهر الفعل لأنّه كالمثل، ولوقوع الاسم موقعه.
وأمّا «أعور وذا ناب» ، فمنصوب بإضمار فعل لا يجوز إظهاره تقديره: أتستقبلون أعور وذا ناب؟ وذلك أنّ الأعور تتطيّر العرب به، وكذلك ذو الناب، وهو الكلب. فإذن أنكر الجمع بين شيئين مجيء أعور وذا ناب. ولم يظهر الفعل لأنّه كالمثل.
وأما كل اسم ينتصب بفعل مضمر على معنى الأمر فقد تقدّم، وهي: «انته أمرا قاصدا» ، و «وراءك أوسع لك» ، و «انتهوا خيرا لكم» ، فمنصوب بإضمار فعل لا يجوز إظهاره لدلالة ما قبله عليه، ألا ترى أنّك إذا قلت: «انتهوا عن كذا» ، علم أنّك تأمر بما هو ضدّ لما نهيت عنه. فإذا قلت: «انته أمرا قاصدا» ، فكأنّك قلت: «وائت أمرا قاصدا» . وكذلك «وراءك أوسع لك» ، وكأنك قلت: ائت أوسع لك من ورائك.
وكذلك قوله تعالى: (انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) (1) . معناه: وائتوا خيرا لكم. وأجاز الفراء في قوله تعالى: (انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ،) أن يكون «خيرا» صفة لمصدر محذوف تقديره: انتهاء خيرا لكم.