فهرس الكتاب
وهذا وجه ضعيف، وذلك أنّ «خيرا» هذا لا يخلو أن تريد به الصفة التي تصف بها، أو الخير الذي هو ضد الشر. فإذا أردت الصفة، ضعف لفظا ومعنى.
أما اللفظ فإنّه لا يجيء ذلك إلّا بحذف «من» ، وحذفها قليل، نحو ما جاء من قولهم: «الله أكبر» .
وأما من طريق المعنى فلأنّه لا يلزم التقدير: انتهاء خيرا لكم من تركه، أي: يكون في أن تركوا الانتهاء خير، لأنّ «أفعل» يقتضي التشريك وليس كذلك، ألا ترى أنّ النهي هنا إنّما هو عن الكفر، لأنّه ما تقدم من قوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ) (2) . فالكفر لا خير فيه.
وإن كان أراد بالخير ضدّ الشر، كان اسما من الأسماء، فيقبح الوصف به، بل لا
(1) سورة النساء: 171.
(2) سورة النساء: 171.
يجوز ذلك بقياس أصلا. فإن ورد به السماع، نحو: «مررت برجل حجر الرأس» ، يحفظ ولا يتعدّى، فلذلك جعله سيبويه على إضمار فعل.
ومنها المصادر الموضوعة موضع الخبر في المبالغة، نحو: «ما أنت إلّا سيرا» ، و «ما أنت إلا شرب الإبل» ، تريد: ما أنت إلا تسير سيرا، وما أنت إلّا تشرب شرب الإبل، فحذفت الفعل الذي هو خبر، وأقمت المصدر مقامه، ولا يجوز إظهاره، لأنّ ما تريد من المبالغة في الشرب والسير يسوغ التزام الإضمار فيه في اللفظ بمنزلة إذا قلت: إنّما أنت شرب الإبل وإنّما أنت سير، فرفعت وجعلت السير والشرب مبالغة.
وأما «مرحبا» ، و «سهلا» ، و «أهلا» فعلى تقدير: صادفت مرحبا، أي: رحبا وسعة. وكذلك «أهلا» ، أي: صادفت من يقوم لك مقام الأهل. و «سهلا» ، أي: صادفت لينا وخفضا لا خوفا.
ولما كانت هذه المصادر يكثر استعمالها لكل قادم من السفر كما ذكرنا، جرت في كثرة الاستعمال مجرى المثل، فالتزم إضمار الفعل لذلك.
وأما «سبّوحا قدّوسا، ربّ الملائكة والروح» ، فعلى تقدير: كبّرت سبّوحا أي مبرّأ منزّها مما ينسب إليه الملحدون.