فهرس الكتاب

الصفحة 3240 من 3284

""""""صفحة رقم 207""""""

عاد بالدبور ، وهدت مكحلتنا عند ذلك ناحية من الجدار ، وأضرم بسهم خطاي من تحته نار ؛ وكان ذلك من بديع الآيات ، وعظيم العنايات ، وما زالت تقلله تقليلا ، وتهدمه قليلا قليلا ، إلى أن هدمت منه جانبا كبيرا ، وكان يوما على الكافرين عسيرا . ا ليلة الأربعاء مستهل جمادى الآخرة ، ثم سرنا عنها ضحى ذلك اليوم فأرسينا على آغو ليلة الخميس ثانيه - لاجتماع الناس ، وكان قد حصل لهم ريح عاصف فرقهم وضعضع بعضهم ، فاجتمعوا إلا اثنين: أحدهما لم يقعوا له على خبر والثاني أخبروا انه في أنطاكيا يصلح خللا حصل في غرابه ، فأمر يشبك الفقيه بالرجوع لمساعدته ، فرجع ليلة الأحد خامس الشهر ، وسار الأمير بالجيش نحو رودس ، فرجعنا إلى أنطاكيا في ذلك اليوم ، فلما أصلح المركب سرنا ليلة الثلاثاء سابع الشهر فلحقنا بعض العسكر عند رأس الشالدون فأرسينا جميعا على منزلة فنيكة ، ثم سرنا منها تلك الليلة فلحقنا جميع العسكر في بكرتها عند مجاز القيقبون ومعهم بتخاص وكان مر على المراكب ليلا فلم يرها وظنهم تقدموا ، فلما قرب من القيقبون وجدوا أربعة من مراكب الفرنج فطلبوه فرجع ونذر بهم التركمان ، فاجتمعوا في البر فتركوه ورجعوا ، فعلم أن الجيش وراءه فاستمر راجعا حتى نام في فنيكة ، وبلغ الأمير خبره فأرسل في أمره نجدة فوجدوه في فنيكة - وفي هذا اليوم أرسلنا بالقيقيون ، ووجدوا هنالك امرأة جالسة على الجبل ، فأحضروها إلى أمير فقالت: إنها كان تسحر جيش المسلمين ثم هداها الله تعالى إلى الإسلام فأسلمت ، فأبطل الله تعالى باطل سحرهم ، وأوقعهم في حبائل كفرهم وأشراك كيدهم ومكرهم - ثم سرنا في أواخر ليلة الجمعة عاشر الشهر فأرسينا ضحى يومها بمنزلة إينوا ، ثم سرنا منها في أوائل ليلة السبت حادي عشره فأرسينا في أواخرها على قشتيل الروج ، وهو حصن منيع على جبل رفيع في طرف جزيرة تقرب مساحتها من مساحة القاهرة من الحسينية إلى القرافة ومن تربة برقوق إلى بولاق فشارفه بعض شبان المسلمين فصعد إليهم بعض الأكابر فتلطف بهم حتى ردهم ، فظن الفرنج انهم خافوا فرموا عليهم بمكحلة وهزأوا بهم ، فأثر الكلام في الناس فكلم بعضهم الأمير في قتالهم فمنع منه وأقلع للسفر ، ثم أكثروا عليه في ذلك فرده الله تعالى لأمر قدره وقضاه ، وارتضاه في سالف الازل فأمضاه ، فوثب الناس إليهم وثوب الآساد ، وسمحوا بأرواحهم سماح الاجواد ، ووقع قائم الزحف ، وقام قاعد الحتف ، وتقدمت الأبطال ، وتميزت فحول الرجال ، وعملت المعاول في السور ، وبان هنالك الرجل الصبور ، وتراشق الناس بالنبال ، وتراموا بالجنادل الخفاف والثقال ، فطارت رسل السهام ، بمر شراب الحمام ، ودارت على البرايا ، كؤوس المنايا ، وألقوا بالدرق والحنويات ، والدروع الداوديات - ولله در المقاليع فلقد كانت كأنها المناجيق - ولله أصحابها فلقد كان الأقوياء يسترون بعض أجسامهم بدروع الحديد وكانوا هم يعدون جميع أبدانهم حديدا ، ويرمون رميا شديدا ، ثم أحجموا عن مجاورة السور إلى جدار الحصن وهبت ريح الصبا من حين قتالهم إلى ظهر يوم الاثنين ثاني عشر الشهر ، فكان ذلك من آيات القول المحمدي نصرت بالصبا وفي ذلك اليوم حطم الناس واشتد البؤس ، وقامت الحرب على ساق ، وكلت من النظر الاحداق ، اشتكت إلى أبدانها الأعناق ، واستداروا بالحصن من غالب الجوانب ، وكثر في رمينا الصائب ؛ فحمي الوطيس ، وخذل إبليس أخطأت كثيرا سهامهم ومكاحلهم ، وأصيبت دروعهم ومقاتلهم ، وحينئذ استدارت الريح دبورا فكانت من علامات إهلاكهم ، وأهلكت عاد بالدبور ، وهدت مكحلتنا عند ذلك ناحية من الجدار ، وأضرم بسهم خطاي من تحته نار ؛ وكان ذلك من بديع الآيات ، وعظيم العنايات ، وما زالت تقلله تقليلا ، وتهدمه قليلا قليلا ، إلى أن هدمت منه جانبا كبيرا ، وكان يوما على الكافرين عسيرا .

وكان الأمير سودون قراقاش المؤيدي - قص على يوم السبت سادس عشري جمادى الأولى أنه رأى في المنام أن الحصار في مكان له سوران ، قال: فهززت الذي يليني لأرميه ، فقال: ارم الذي وراءك فهو الأهم ، قال: فقلت: بل أرميك ثم أرميه ؛ فكان تأويل ذلك أنه كان منزله وقت حصار هذا الحصن قرب البرج الأخير الذي يلي - فيه الباب ، فاشرف من هناك بعض الفرنج ضحى يوم الخميس سادس عشر الشهر أعني جمادى الآخرة - وقالوا: قد كان قصدكم إلى رودس فنريد أن تذهبوا إليها قبل أن تنهك أنفسكم وأموالكم ، فإن أخذتموها فنحن في قبضتكم ، أو أعطونا سلورة حتى نذهب إليهم ، فإن رضوا سلمنا لكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت