قال المؤلف: « أما بعد » من فصيح الكلام، وهو فصل بين الثناء على الله تعالى، وبين ابتداء الخبر الذى يريد الخطيب إعلام الناس به، وقد قال بعض أهل التأويل في قول الله تعالى، عن داود عليه السلام: {وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} [ص: 20] ، أنه: أما بَعْد.
وقد اختلف العلماء فيما يجزئ من الخطبة، فذكر ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون وأصبغ أنه تجزئه خطبة واحدة، ورواه مطرف عن مالك، وهو قول الأوزاعى، وأبى يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبى ثور، قال ابن حبيب: ولو لم يُتم الأولى وتكلم بما خف من الثناء على الله وعلى نبيه عليه السلام، لأجزأه.
وروى مطرف عن مالك في مختصر ابن عبد الحكم: إن سبح أو هلل وصلى على النبى، عليه السلام، فلا إعادة عليه، وقال الشعبى: يجزئه ما قل وكثر، وقال أبو حنيفة: يجزئه إن خطب بتسبيحة واحدة، قال ابن حبيب: روى ابن القاسم عن مالك أنه إن لم يخطب من الثانية ما لهُ بال لم يجزئهم وأعادوا، ونحوه قال الشافعى إلا أنه قال: أقل ما يجزئ من الخطبتين جميعًا أن يحمد الله تعالى، ويصلى على الرسول، ويوصى بتقوى الله، ويقرأ آيات من القرآن في الأولى، ويحمد الله ويصلى على النبى ويدعو في الآخرة.
وقوله: « عصابة دسمة » ، فذكر أبو عمر المطرز أنها السوداء وذكره عن ثعلب، عن ابن الأعرابى قال: ومنه حديث عثمان بن عفان، أنه مر ببعض طرقات المدينة فرأى صبيًا ومعه حشمة فقال: دسموا نونته لكى لا تصيبه العين، معناه دسموا ذلك الموضع ليرد العين، والنونة: النقبة التى تكون في ذقن الصبى الصغير، وقال ابن دريد: الدسمة: غبرة فيها سواد، الذكر: أدسم، والأنثى: دسماء، وأنشد:
إلى كل دسماء الذراعين والعقب
ذكر البخارى هذا الحديث في كتاب اللباس وقال: عصابة دسماء، وقال أبو عمرو الشيبانى: العصابة: العمامة.
قال المؤلف: وإنما سميت العمامة عصابة؛ لأنها تعصب الرأس أى تربطه؛ ألا ترى قول الحجاج: لأعصبنكم عصب السلمة، أى: لأربطنكم ربط الشجرة.