فهرس الكتاب

الصفحة 1898 من 6439

قال المهلب: واختلف أهل العلم في معنى قوله: « فليقل: إنى صائم » ، فقيل: يقول: إنى صائم، للذى يشاتمه، ليكف عن شتمه، واستدل بعضهم بقول مريم: {إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [مريم: 26] ، فكان حكم الصيام عند مريم وأهل زمانها أن لا يتكلموا فيه، وكان هذا متعارفًا عندهم. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أبلغك أنه يؤمر الإنسان إذا دعى إلى طعام أن يقول: إنى صائم؟ قال: سمعنا أبا هريرة يقول: إذا كنت صائمًا، فلا تساب ولا تجهل، فإن جهل عليك فقل: إنى صائم.

وروى عن ابن مسعود: إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم، فليقل: إنى صائم، وقاله قتادة، والزهرى. وقال طائفة: معنى قوله: « فليقل: إنى صائم » ، أى يذكر نفسه بذلك، ولا يجهر به، ولا يراجع به من سبه؛ لأنه إذا تكلم به، فقد أظهر نيته، وربما دخل فيه الرياء، قال ثابت: ومعنى القول هاهنا: العلم. قال الشاعر:

خلوت ولكن قل على رقيب

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل

ومثله قول مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا} [الإنسان: 9] قال: أما إنهم لم يتكلموا به، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى عليهم به؛ ليرغب في ذلك راغب، وعلى هذا المعنى يدل قوله في الحديث: « الصيام لى وأنا أجزى به » ، ولا يكون لله خالصًا إلا بانفراده بعلمه دون الناس.

وقوله: « الصيام لى وأنا أجزى به » ، فالصيام وجميع الأعمال لله، لكن لما كانت الأعمال الظاهرة يشرك فيها الشطان بالرياء وغيره، وكان الصيام لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيثيبه عليه على قدر خلوصه لوجهه، جاز أن يضيفه تعالى إلى نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت