فهرس الكتاب

الصفحة 2553 من 6439

وقال بعض العلماء: وأما حديث عائشة حين وُعك أبو بكر وبلال وإنشادهما في ذلك؛ فإن الله تعالى لما ابتلى نبيه بالهجرة وفراق الوطن ابتلى أصحابه بما يكرهون من الأمراض التى تؤلمهم، فتكلم كل إنسان منهم حسب يقينه وعلمه بعواقب الأمور فتعزى أبو بكر عند أخذ الحمى له بما ينزل به الموت في صباحه ومسائه، ورأى أن ذلك شامل للخلق، فلذلك قال: كل امرىِِء مصبح في أهله. يعنى: تصبحه الآفات وتمسيه، وأما بلال فإنما تمنى الرجوع إلى مكة وطنه الذى اعتاده ودامت فيه صحته، فبان فضل أبى بكر وعلمه بسرعة فناء الدنيا حتى الموت بشراك نعله.

فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما نزل بأصحابه من الحُمَّى والوباء خشى كراهية البلد، لما في النفوس من استثقال ما تكرهه، فدعا الله في رفع الوباء عنهم، وأن يحبب إليهم المدينة كحبهم مكة وأشد؛ فدل ذلك أن أسباب التحبيب والتكريه بيد الله، وهبة منه يهبها لمن شاء، وفى هذا حجة واضحة على من كذب بالقدر؛ إِذِ الذى يملك النفوس فيجب إليها ما أحب، ويكره إليها ما كره هو الله، فأجاب دعوة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، فأحبوها حبا أدامه في نفوسهم حتى ماتوا عليه.

وأما قوله: « وصححها » ففيه من الفقه أن الله أباح للمؤمن أن يسأل ربه صحة جسمه وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به، كسؤاله إياه في الرزق والنصر، وليس في دعاء المؤمن ورغبته في ذلك إلى الله لوم ولا قدح في دينه، وقد كان من دعاء النبى - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا أن يقول: « وقونى في سبيلك » وفى هذا رد على الصوفية في قولهم: إن الولى لا تتم له الولاية إلا تم له الرضا بجميع ما نزل به ولا يدعوا الله في كشف ذلك عنه، فإن دعا فليس من الولاية في حال الكمال، وقد [] (1) فى قولهم هذا بمحمد عليه السلام وأصحابه، وقد كان إذا نزل به شىء يكثر عليه الدعاء والرجاء في كشفه.

(1) طمس بالأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت