فهرس الكتاب

الصفحة 2554 من 6439

وأما قوله: « وانقل حُمَّاها إلى الجحفة » فكانت الجحفة يومئذ دار شرك، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يدعوا على من لم يجب إلى الإسلام إذا خاف منه معونة أهل الكفر، حين يئس منهم فقال - صلى الله عليه وسلم -: « اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف » ودعا على أهل الجحفة بالحمى ليشغلهم بها، فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمى، وإنه يتقى شرب الماء من عينها الذى يقال له: عين حم، وقَلَّ من شرب منه إلا حُمَّ، وهو متغير الطعم. وقوله: « رفع عقيرته » يعنى: صوته، وأصل ذلك عند العرب أن رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى وصرخ بأعلى صوته؛ فقيل لكل رافع صوته: قد رفع عقيرته، ففيه من المعانى جواز هذا النوع من الغناء، وهو نشيد الأعراب للسفر بصوت رفيع.

قال الطبرى: وهذا النوع من الغناء هو المطلق المباح بإجماع الحجة، وهو الذى غنى به في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يَنْهَ عنه، وهو الذى كان السلف يجيزون ويسمعون، وروى سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: نعم زاد الراكب الغناء نصبًا، وروى ابن وهب، عن أسامة وعبد الله ابنى زيد بن أسلم، عن أبيهما زيد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: الغناء من زاد الراكب. وروى ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز أن محمد ابن نوفل أخبره أنه رأى أسامة بن زيد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى بمعنى النصب.

قال الطبرى: وإنما تسميه العرب النصب لنصب المتغنى به صوته وهو الإنشاد له بصوت رفيع. وروى ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه أنه سمع عبد الله بن الأرقم رافعًا عقيرته يتغنى. قال عبد الله بن عتبة: والله ما رأيت رجلا أخشى لله من عبد الله بن الأرقام. وقد تقدم شىء من هذا المعنى في كتاب الصلاة في باب: سنة العيدين لأهل الإسلام، عند ذكر الجاريتين اللتين غنتا في بيت عائشة يوم العيد، وسيأتى ما يحل من الغناء ويحرم في كتاب الاستئذان في باب: كل لهو فباطل إذا شغله عن طاعة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت