وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: « هل أنت إلا أصبع دميت، وفى سبيل الله ما لقيت » . فهو رجز موزون، وقد يقع على لسانه مقدار البيت من الشعر أو البيتين من الرجز كقوله: « أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب » . فلو كان هذا شعرًا لكان خلاف قوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغى له} [يس: 69] والله يتعالى أن يقع شيء من خبره أو يوجد على خلاف ما أخبر به تعالى، وهذا من الحجاج اللازمة لأهل الإسلام خاصة، ويقال للملحدين: إن ما وقع من كلامه من الموزون في النادر من غير قصد فليس بشعر؛ لأن ذلك غير ممتنع على أحد من العامة والباعة أن يقع له كلام موزون فلا يكن بذلك شعرًا مثل قولهم: اسقنى في الكوز ماء يا غلام، واسرج البغل وجئنى بالطعام. وقولهم: من يشترى باذنجان. وقد يقول العمى منهم: وخالق الأنام ورسله الكرام وبيته الحرام والركن والمقام، لا فعلت كذا وكذا. وقد علم أن المقسم بذلك من النساء والعامة ليس بشاعر ولا قاصد إلى ذلك، وهذا لا يمكن دفع اتفاق مثله من العامة، فثبت بذلك أن هذا المقدار ليس بشعر وأن الرجز ليس بشعر، ذكر هذا القاضى أبو بكر ابن الطيب وغيره، قال وذكر بعض أهل العراق: سمعت غلامًا لصديق لى، وقد كان قد سقى بطنه. يقول لغلمان مولاه: اذهبوا به إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى. وهذا الكلام يخرج وزنه عن فاعلات مفاعل فاعلات مفاعل مرتين.
وقد علمت أن هذا الغلام لا يخطر على باله قط أن يقول بيت شعر ومثل هذا كثير لو تتبع في كلام الناس.
10 -باب مَنْ يُجْرَحُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ