ولا نكره الجعائل لأهل العطاء ؛ لأن العطاء مأخوذ على هذا الوجه. قال مالك: لا بأس بالجعائل في البعوث، لم يزل الناس يتجاعلون عندنا بالمدينة يجعل القاعد للخارج إذا كانوا من أهل ديوان واحد؛ لأن عليهم سد الثغور، وأصحاب أبى حنيفة يكرهون الجعائل ما كان بالمسلمين قوة أو في بيت المال ما يفى بذلك، فإن لم تكن لهم قوة ولا مال فلا بأس أن يجهز بعضهم بعضًا على وجه المعونة لا على وجه البدل، وهذا الموضع ينبغى أن يكون وفاقًا لقول مالك.
وقد روى أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر قال: كان القاعد يمنح الغازى، فأما أن يبيع الرجل غزوه فلا أدرى ما هو. وقال الشافعى: لا يجوز أن يغزو بجعل يأخذه من رجل، وأرده إن غزا به، وإنما أجيزه من السلطان دون غيره؛ لأنه يغزو بشيء من حقه، واحتج بأن الجهاد فرض على الكفاية، فمن فعله وقع عن فرضه فلا يجوز أن يستحق على غيره عوضًا.
قال ابن القصار: فيقال له: ليس كل من دخل في شيء يتعين عليه بدخوله فيه يكون في ابتدائه متعينًا عليه؛ ألا ترى أن المتطوع بالحج في الابتداء ليس بواجب عليه، وإذا دخل فيه تعين فرض إتمامه عليه، وكذلك المجعول له لم يكن الجهاد متعين عليه في الابتداء، فلما دخل فيه نائبًا عن غيره تعين عليه، إلا أنه قد سد في جهاد العدو مسد الجاعل وناب منابه؛ فجاز له الجعل.
فإن قيل: فإن المجاهد يستحق سهمًا من الغنيمة فلو وقع فعله عن غيره لم يصح ذلك، وإن وقع فعله عن نفسه لم يجب له جعل.
قيل: وما يمنع من هذا؟ هو يستحق الجعل بالمعاونة ويحصل الجعل له؛ لأن المعنى المقصود من الجهاد قد حصل كما يحصل من الجاعل لو حضر، وقلنا إن المجعول له لم يتعين عليه الفرض في الابتداء، وإنما جعل للجعل ونوى الجهاد فتعين عليه بدخوله، وقد أدى القاعد للخارج مائة دينار في بعث في أيام عمر، وكان مسروق يجعل عن نفسه إذا خرج البعث.