قالوا: ولو كان لنا من قتلهم بعد الإيثاق ما لنا قبله لم يفهم قوله تعالى: {حتى إذا أُثخنتموهم فشدوا الوثاق} فدل أن حكم الكافر بعد الاستيثاق والأسر خلاف حكمه قبل ذلك، قال أبو عبيد: والقول عندنا في ذلك أن الآيات جميعًا محكمات لا نسخ فيهن، يبين ذلك ما كان من أحكام رسول الله فيهم وذلك أنه عمل بالآيات كلها، من القتل والمن والفداء، حتى توفاه الله على ذلك، فكان أول أحكامه فيهم يوم بدر، فعمل بها كلها يومئذ، بدأ بالقتل فقتل عقبة ابن أبى معيط والنضر بن الحارث في قفوله، ثم قدم المدينة فحكم في سائرهم بالفداء، ثم حكم يوم الخندق سعد بن معاذ بقتل المقاتلة، وسبى الذرية، فصوب ذلك النبى - - صلى الله عليه وسلم - - وأمضاه.
ثم كانت غزاة بنى المصطلق رهط جويرية بنت الحارث، فاستحياهم جميعًا وأعتقهم. ثم كان فتح مكة، فأمر بقتل ابن خطل ومقيس والقينتين، وأطلق الباقين، ثم كانت حنين فسبى هوازن، ومَنَّ عليهم، وقتل أبا غرة الجمحى يوم أُحد - وقد كان مَنَّ عليه يوم بدر - وأطلق ثمامة بن أثال. وكانت هذه أحكامه - صلى الله عليه وسلم - بالمن والفداء والقتل، فليس شيئًا منها منسوخًا، والأمر فيهم أن الإمام وهو مخير بين القتل والمن والفداء، يفعل الأفضل في ذلك للإسلام وأهله، وهو قول مالك والشافعى وأحمد وأبى ثور.
قال المهلب: وأما قوله تعالى: {ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} فإن هذه الآية نزلت في أسرى بدر، أخذ فيهم - صلى الله عليه وسلم - رأى أبى بكر الصديق في استحيائهم وقبول الفداء منهم، وكان عمر أشار عليه بقتلهم، وأشار عليه غيره بحرقهم استبلاغًا فيهم، فبات النبى يرى رأيه في ذلك، وكانت أول وقعة أوقعها الله - تعالى - بالكفار، فأراد الله أن يكسر كيدهم بقتلهم، فعاتب النى - - صلى الله عليه وسلم - - وأنزل عليه: {ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا} يعنى: الفدية، {والله يريد الآخرة} أى: إعلاء كلمته، وإظهار دينه بقتلهم.