وقوله في حديث أبى هريرة: « لو أخذت الخمر غوت أمتك » دليل على تحريم الخمر؛ لأن الغى محرم، و في هذا دليل على أن الأقدار عند الله بشروط، متى وقعت الشروط وقعت الأقدار، ومتى لم تقع الشروط لم يوقع الله تلك الأقدار على ما سبق من هدايته لعبده إلى تلك الشروط أو لغيرها من الأفعال التى أراد أن ينفذها عليه من هدى أو ضلال.
وقوله في حديث أنس: « إن من أشراط الساعة أن يظهر الزنا، ويُشرب الخمر » فقرن بينهما في الرتبة فكذلك هما في التحريم وأما قوله: « لا يزنى وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن » فهذا من أشد ما جاء في شارب الخمر، وقد تعلق بظاهر هذا الحديث الخوارج؛ فكفروا المؤمنين بالذنوب.
والذى عليه أهل السنة وعلماء الأمة أن قوله: « مؤمن » يعنى مستكمل الإيمان؛ لأن شارب الخمر والزانى أنقص حالا ممن لم يأت شيئًا من ذلك لا محالة، لا أنه كافر بذلك، وسأستقصى مذاهب العلماء في تأويل هذا الحديث في أول كتاب الحدود - إن شاء الله - وإنما أدخل البخارى هذه الأحاديث في هذا الباب - والله أعلم - بالوعيد والتشديد في الخمر؛ ليكون عوضًا من حديث ابن عمر أن النبى - عليه السلام - قال: « كل مسكر حرام » ولم يخرجه في كتابه؛ لأنه - يروى موقوفًا -؛ فلذلك تركه.
قال الطبرى: وفى قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان} الآية الدلالة على تحريم الله على عباد المؤمنين أن يعادى بعضهم بعضًا، والأمر منه لهم بالألفة والتواخى والتواصل، ودلت الآية على أن تحريم الخمر إنما كان من أجل إيجابه إثارة العداوة والبغضاء، ومعلوم أن الله - تعالى - إذا كان حرمه من أجل إيجابه العداوة والبغضاء بين عبادة، أن المعنى الذى حرم ذلك من أجله أوكد في التحريم، وأبعد من التحليل، فالعداوة والبغضاء إذا بين المؤمنين أشد وأعظم عند الله، بدلالة هذه الآية، وكذلك التفريط في الصلاة وتضييع وقتها أعظم عند الله من شرب الخمر والقمار.