لأن الحديث الذى يروى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - في تحريم الحرير قد سألت عنه أبا محمد الأصيلى، وأوقفته على لفظة حرام، فقال لى: لا تصح لفظة حرام البتة، وإن صحت فإنما معناها حرام تحرمه السنة، وحرام دون حرام، وهو كقوله عَلَيْهِ السَّلام: « كل ذى ناب من السباع حرام » .
وفى ذلك الحديث حل لإناثها، فقد كرهه لابنته وهو حلال، فكذلك كرهه للرجال من أجل السرف، وقوله في حديث ابن عمر: « ما لى وللدنيا؟ » ، دليل قاطع.
وقوله: « إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة » ، فإنما يريد بذلك، والله أعلم، أنها لباس الكفار في الدنيا ومن لا حظ له في الآخرة، فنهى عَلَيْهِ السَّلام عن مشابهتهم واستعمال زيهم، والله أعلم، وسأستقصى مذاهب العلماء في هذه المسألة في كتاب اللباس، إن شاء الله.
وقال أبو عبد الله، أخو المهلب: وقول على: فرأيت الغضب في وجهه، يدل على أن النهى عن الحرير على غير التحريم، وإنما هو على الكراهية، ولو كان تحريمًا لما عرف على الكراهية إلا من نهيه لا بدليل من وجهه.
وقوله: « لا ينبغى هذا للمتقين » ، دليل آخر، ولو كان حرامًا لكان المتقى فيه والمسىء فيه واحدًا، ولكنه كما قال تعالى في المتعة: {حقًا على المتقين} [البقرة: 241] ، و {حقًا على المحسنين} [البقرة: 236] .
قال المؤلف: وحملت طائفة الآثار المروية عن النبى، عَلَيْهِ السَّلام، في النهى عن لباس الحرير على التحريم، ولم يأت عنه ما يعارضها إلا ما يخصها من جواز لباسه في الحرب وعند التداوى، وما عدا هذين الوجهين فباق على التحريم، ومن جعل تحريم الحرير كتحريم كل ذى ناب من السباع، فذلك دليل على التحريم؛ لأن جمهور الأمة على أن تحريم كل ذى ناب من السباع على التحريم البين الذى هو ضد التحليل، فكيف يحتج هذا القائل بما يخالفه فيه أكثر الأمة.
27 -بَاب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ