وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة، ولم يختلف أهل اللغة أن العرب تسمى الحيض قرءًا، وتسمى الطهر قرءًا، وتسمى الوقت الذى يجمع الحيض والطهر قرءًا، فلما احتملت اللفظة هذه الوجوه في اللغة وجب أن يطلب الدليل على مراد الله بقوله: {ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ، فوجدنا الدليل على أن الأقراء الأطهار حديث ابن عمر، وذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما أمره أن يطلقها في الطهر، وجعل العدة بقوله، عليه السلام: « فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء » ، ونهاه أن يطلق في الحيض، وأخرجه من أن تكون عدة، ثبت أن الأقراء الأطهار.
فإن قال الكوفيون: الدليل على الأقراء الحيض قوله، عليه السلام: « اقعدى أيام أقرائك » ، أى حيضتك؛ لأنه لا يأمر بترك الصلاة أيام الطهر.
قيل لهم: ليس في هذا أكثر من أن القرء اسم يصلح للحيض كما يصلح للطهر، ونحن لا نمتنع من هذا، وإنما نطلب ترجيح قولنا، وذلك أن قوله: « دعى الصلاة أيام أقرائك » ، هو خطاب للمستحاضة أن تترك الصلاة عند إقبال دم حيضتها، ولا خلاف في ذلك، وحديث ابن عمر الأقراء فيه الأطهار، يدل على أن الأقراء المعتد بها الأطهار، وأن أقراء المستحاضة إقبال الدم، فلا تضر رواية من روى: « دعى الصلاة أيام أقرائك » ؛ لأنهما مسألتان مختلفتان، مسألة عدة، ومسألة صلاة.
فإن قالوا: إطلاق اسم القروء ينطلق على الحيض؛ لأنها إنما تسمى من ذوات الأقراء إذا حاضت.
فالجواب: أن اسم القرء للطهر الذى ينتقل إلى الحيض، ولا نقول: أنه اسم للطهر المحض، فإنما لم نقل هى من ذوات الأقراء إذا لم تحض؛ لأنه طهر لم يتعقبه حيض، فإذا حاضت فقد وجد طهر يتعقبه حيض.