وإلى رد هذا القول أشار البخارى بقوله: وهل على المرأة منه شىء؟ يعنى من رضاع الصبى ومئونته، فذكر قوله تعالى: {وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر} [النحل: 76] ، شبه منزلة المرأة من الوارث منزلة الأبكم الذى لا يقدر على النطق من المتكلم، وجعلها كلا على من يعولها، وذكر حديث أم سلمة والمعنى فيه أن أم سلمة كان لها ابنًا من أبى سلمة، ولم يكن لهم مال، فسألت النبى - صلى الله عليه وسلم - إن كان لها أجر في الإنفاق عليهم مما يعطيها النبى - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبرها أن لها أجرًا في ذلك، فدل هذا الحديث أن نفقة بنيها لا تجب عليها، ولو وجبت عليها لم تقل للنبى - صلى الله عليه وسلم -: « ولست بتاركتهم » ، وبين لها النبى - صلى الله عليه وسلم - أن نفقتهم واجبة عليها سواء تركتهم أو لم تتركهم.
وأما حديث هند، فإن النبى، عليه السلام، أطلقها على أخذ نفقة بنيها من مال الأب، ولم يوجبها عليها كما أوجبها على الأب، فاستدل البخارى أنه لما لم يلزم الأمهات نفقة الأبناء في حياة الآباء، فكذلك لا يلزمها بموت الآباء، وحجة أخرى وذلك أن قوله: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} [البقرة: 233] ، يعنى رزق الأمهات وكسوتهن من أجل الرضاع للأبناء، فكيف يعطيهن في أول الآية وتجب عليهن نفقة الأبناء في آخرها.
وأما من قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} ، هو الولد، فيقال له: لو أريد بذلك الولد لقال تعالى: وعلى المولود مثل ذلك، فلما قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} ، وكان الوارث اسمًا عامًا يقع على جماعة غير الولد، لم يجز أن يخص به الولد ويقتصر عليه دون غيره إلا بدلالة بينة وحجة واضحة.