وأما قوله - صلى الله عليه وسلم: تمت فاغسلى عنك الدم وصلى - . فإن العلماء مجمعون على أن المستحاضة تغتسل عند إدبار الحيضة، ودل أيضًا هذا الحديث أن المستحاضة لا يلزمها الوضوء عند كل صلاة، ولا يلزمها غير ذلك الغسل، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرها بغيره، ولو لزمها غيره لأمرها به، وفى ذلك رد على من رأى عليها الغسل لكل صلاة، ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتى النهار بغسل واحد، وبين صلاتى الليل بغسل واحد، وتغتسل للصبح، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرها بشىء من ذلك كله في حديث هشام بن عروة، وهو أصح ما في هذا الباب.
وأما مذاهب العلماء في ذلك: فإن طائفة منهم ذهبت إلى أنه يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة، ورووا في ذلك آثارًا عن النبى، - صلى الله عليه وسلم -، وروى هذا عن على، وابن عباس، وابن الزبير، وقالوا: لا يأتى عليها وقت صلاة إلا وهى شاكة هل هى طاهر، أو حائض؟. فوجب عليها الغسل لكل صلاة.
وعن سعيد بن جبير مثله، وقال آخرون: يجب عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وللمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وللصبح غسلًا واحدًا، ورووا بذلك آثارًا.
وروى عن على، وابن عباس مثل ذلك، وهو قول النخعى، وقال آخرون: تغتسل كل يوم مرة أى وقت شاءت، وروى ذلك عن على.
وقال آخرون: تغتسل من طهر إلى طهر، هذا قول ابن عمر، وأنس، وعن الحسن، وعطاء، وسالم، وسعيد بن المسيب مثله.
وقد روى عن ابن المسيب أنها لا تغتسل إلا من طهر إلى طهر، وهو انقضاء أيام دمها، أو تمييز إقبال استحاضتها، وهو قول مالك، وسائر فقهاء الأمصار، إلا أنهم اختلفوا، هل تتوضأ لكل صلاة بعد الغسل؟ فذهب الثورى، وأبو حنيفة، والليث، والأوزاعى، والشافعى، إلى أنها تغتسل غسلًا واحدًا عند إدبار حيضتها أو إقبال استحاضتها، ثم تغسل عنها الدم، وتتوضأ لكل صلاة.