وقال أبو حنيفة، والثورى: القراءة واجبة في ركعتين من الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وليس واجبة في باقيها، واحتجوا بأن القراءة لو كانت واجبة في الأخريين لكان عليه أن يجمع بين فاتحة الكتاب وسورة معها كالأوليين.
والحجة عليهم قوله: « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » ، فهو على عمومه إلا ما قامت عليه الدلالة، ولما كانت الركعة الواحدة صلاة بإجماع أن الوتر ركعة وهى صلاة، دل أن القراءة واجبة في كل ركعة بفاتحة الكتاب، وأيضًا قول جابر: كل ركعة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فلم تصل إلا وراء إمام.
وأما ذكر حديث سعد في هذا الباب فوجهه أنه لما قال: أركد في الأوليين وأخفف في الأخريين علم أنه أراد: أطيل القراءة في الأوليين وأقصرها في الأخريين؛ لأنه لا خلاف بين الأمة في وجوب القراءة في الركعتين الأوليين.
وقوله: « أركد » ، أى: أديم القيام وأثبت فيها، والركود: الثبوت والدوام عند أهل اللغة، ومنه نهيه عن البول في الماء الراكد، أى: الدائم.
وقوله: « أحذف في الأخريين » ، أى: أقصرهما، وأصل الحذف من الشىء النقص منه.
وقوله: « لا أخرم عنها » ، أى: لا أنقص صلاتى من صلاة رسول الله، وأصل الخرم: قطع بعض وترة الأنف، يقال إذا قطع ذلك من الرجل: أخرم، والمرأة: خرماء، ثم يستعمل ذلك في كل منتقص منه.
وفى حديث سعد من الفقه: أنه من شُكى به من الولاة أنه يسأل عنه الإمام في موضع عمله أهل الفضل منهم، ألا ترى أن عمر إنما كان يسأل عنه في المساجد عمارها وأهل ملازمة الصلاة فيها.