وفي سنة 793 بدأ في طلب الحديث، وكان شيخه في الحديث زين الدين العراقي الذي لازمه عشر سنوات، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سندًا ومتنًا وعللًا واصطلاحًا، فقرأ عليه ألفيته وشرحها فنون الحديث وانتهى منهما في رمضان سنة 798 هـ بمنزل شيخه المذكور بجزيرة الفيل على شاطئ النيل، كما قرأ عليه نكته على ابن الصلاح في مجالس آخرها سنة 799 هـ، وبعض الكتب الكبار والأجزاء القصار، وحمل جملة مستكثرة من"أماليه"واستملى عليه بعضها وهو أول من أذن له بالتدريس في علوم الحديث عام 797 هـ. وقرأ على مُسْنِدي القاهرة ومصر الكثير في مدة قصيرة فوقع له سماع متصل عال لبعض الأحاديث.
صفاته ابن حجر الخْلقية:
كان الحافظ ابن حجر ربعة، أبيض اللون، منور الصورة، مليح الشكل، صبيح الوجه، كث اللحية أبيضها، حسن الشيبة نيرها، صحيح السمع والبصر، ثابت الأسنان نقيها، صغير الفم، قوي البنية، عالي الهمة، خفيف المشية، ذا رشاقة زائدة، شجي الصوت، جيد الذكاء [1] .
صفاته الخُلقية:
الحافظ ابن حجر اتصف بكثير من الصفات الرفيعة التي جعلته أحد الأئمة الكبار، فقد كان ذا سكون ووقار وثبات تاركًا لما لا يعنيه، طارحًا للتكلف، شديد الحياء، لا يواجه أحدًا بمكروه، مع الصدع بالحق وقوة النفس فيه، مفشيًا للسلام، خبيرًا بأمور دينه ودنياه، ذا عقل وحلم ودربة بالأحكام والمداراة للناس.
وكان رحمه الله متواضعًا مع معرفته لقدر نفسه؛ فهو لا يصبر على من يحاول انتقاضها أو تصغير جنبه، وكان كاظمًا للغيظ، لا يظهر عليه الغضب إلا نادرًا.
وكان حريصا على الحلال فكان يتجنب أن يأكل الحرام، أو ما فيه شبهة الحرام.
وكان مواظبًا على إخراج الصدقة، ومساعدة ذوي الحاجات، وكان ملازمًا للعبادة فكان قوامًا بالليل متهجدًا حتى في حال سفره وترحاله واشتداد المرض به.
(1) الجواهر والدرر: 3/ 979.