فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 416

كو في صورة السماء والأرض عند المنجّمين منهم

قد جرى أمر الهند فيما بينهم على خلاف الحال بين قومنا، وذلك أنّ القرآن لم ينطق في هذا الباب وفي كلّ شيء ضروريّ بما يحوج إلى تعسّف في تأويل حتى ينصرف إلى المعلوم بالضرورة كالكتب المنزلة قبله، وإنّما هو في الأشياء الضروريّة معها حذو القذّة بالقذّة وباحكام من غير تشابه، ولم يشتمل أيضا على شيء ممّا اختلف فيه وأيس من الوصول إليه ممّا يشبه التواريخ، وإن كان الاسلام مكيدا في مبادئه بقوم من مناويه أظهروه بانتحال وحكوا لذوي السلامة في القلوب من كتبهم ما لم يخلق الله منه فيها شيئا لا قليلا ولا كثيرا فصدّقوهم وكتبوها عنهم مغترّين بنفاقهم وتركوا ما عندهم من الكتاب الحقّ لأنّ قلوب العامّة إلى الخرافات أميل فتشوّشت الأخبار لذلك ثمّ جاءت طامّة أخرى من جهة الزنادقة أصحاب «ماني» كابن المقفّع وكعبد الكريم ابن أبي العوجاء وأمثالهم فشكّكوا ضعاف الغرائز في الواحد الأوّل من جهة التعديل والتجوير وأمالوهم إلى التثنية وزيّنوا عندهم سيرة ماني حتى اعتصموا بحبله، وهو رجل غير مقتصر بجهالاته في مذهبه دون الكلام في هيئة العالم بما يبين عن تمويهاته، وانتشر ذلك في الألسنة وانضاف إلى ما تقدّم من المكايد اليهودية فصار رأيا منسوبا إلى الاسلام سبحان الله عن مثله والذي يخالفه ويتمّسك بالحقّ المطابق للقرآن فيه موسوما بالكفر والإلحاد، محكوما على دمه بالإراقة، غير مرخّص في سماع كلامه، وهو دون ما

يسمع من كلام فرعون: { «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ََ» } (1) ، { «مََا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرِي» } (2) وتطاول العصبيّة ربّما نميل به عن الطريقة المثلى للحميّة، والله يثبت قدم من يقصده ويقصد الحقّ فيه وأمّا الهند فإنّ كتبهم الملّيّة والبرانات الخبريّة تنطق كلّها في هيئة العالم بما ينافي الحقّ الواضح عند منجّميهم إلّا أنّ القوم بها مضطرّون في إقامة السنن وحمل السواد الأعظم عليها إلى الحسابات النجوميّة والتحذيرات الأحكاميّة، فيظهرون الميل إليهم والقول بفضلهم والتيمّن بلقياهم والقطع عليهم أنّهم من أصحاب الجنّة لا يدخل جهنّم منهم أحد ومنجّموهم يكافونهم بالتصديق والمطابقة على ما هم عليه وإن خالف أكثره الحقّ ويقومون لهم بما يحتاج إليه منهم ولهذا امتزج الرأيان على الأيّام فاضطرب الكلام الحاصل عند المنجّمين وخاصّة عند من يقلّد ويأخذ الأصول بالأخبار ولا يذهب فيها مذهب التحقيق وهو أكثرهم، فلنحك الآن ما هم عليه ونقول: إنّ السماء والعالم عندهم مستديران والأرض كريّة الشكل، نصفها الشماليّ يبس ونصفها الجنوبيّ مغمور بالماء ومقدارها عندهم اعظم ممّا هو عند اليونانيّين، وممّا وجده المحدثون ويجدونه قد انحرفوا فيها عن ذكر البحار والديبات والجوزن الكثيرة المقدّرة لها واتّبعوا اصحاب الملّة فيما ليس بقادح في الصناعة من كون جبل «ميرو» تحت القطب الشماليّ وجزيرة «بروامخ» تحت القطب الجنوبيّ، أمّا الجبل فسواء كان هناك أو لم يكن اذ المحتاج إليه منه هو خواصّ الدوران الرحاويّ وهي بسبب المسامتة موجودة للموضع من بسيط الأرض ولما هو على سمته في الهواء، وأمّا الجزيرة الجنوبيّة فكذلك خبر غير ضارّ، على أنّه ممكن بل كالواجب تقاطر ربعين من أرباع الأرض يابسين وتقاطر الآخرين في الماء مغمورين، فيرون الأرض في الوسط والأثقال مرجحنّة نحوها فلا محالة أنّهم يرون السماء لذلك كريّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت