فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 416

هـ في حال الأرواح وتردّدها بالتناسخ في العالم

كما أنّ الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين والتثليث علامة النصرانيّة والإسبات علامة اليهوديّة كذلك التناسخ علم النحلة الهنديّة فمن لم ينتحله لم يك منها ولم يعدّ من جملتها فإنّهم قالوا: إنّ النفس إذا لم تكن عاقلة لم تحط بالمطلوب إحاطة كلّيّة دفعة بلا زمان واحتاجت إلى تتّبع الجزئيّات واستقراء الممكنات وهي وإن كانت متناهية فلعددها المتناهي كثرة والإتيان على الكثرة مضطرّ الى مدّة ذات فسحة ولهذا لا يحصل العلم للنفس إلّا بمشاهدة الأشخاص والأنواع وما يتناوبها من الأفعال والأحوال حتّى يحصل لها في كل واحد تجربة وتستفيد بها جديد معرفة، ولكنّ الأفعال مختلفة بسبب القوى وليس العالم بمعطّل عن التدبير وإنّما هو مزموم وإلى غرض فيه مندوب فالأرواح الباقية تتردّد لذلك في الأبدان البالية بحسب افتنان الأفعال إلى الخير والشرّ ليكون التردّد في الثواب منبها على الخير فتحرص على الاستكثار منه وفي العقاب على الشرّ والمكروه فتبالغ في التباعد عنه ويصير التردّد من الأرذل إلى الأفضل دون عكسه لأنّه يحتمل كليهما ويقتضي اختلاف المراتب فيهما لاختلاف الأفاعيل بتباين الأمزجة ومقادير الازدواجات في الكمّيّة والكيفيّة، فهذا هو التناسخ إلى أن يحصل من كلتي جنبتي النفس والمادّة كمال الغرض أمّا من جهة السفل ففناء ما عند المادّة من الصورة إلّا الإعادة المرغوب عنها وأمّا من جهة العلوّ فذهاب شوق النفس بعلمها ما لم تعلم

واستيقانها شرف ذاتها وقوامها لا بغيرها واستغناءها عن المادّة بعد إحاطتها بخساستها وعدم البقاء في صورها والمحصول في محسوسها والخبر في ملاذّها فتعرض عنها وينحلّ الرباط وينقصم الاتّصال ويقع الفرقة والانفصال والعود إلى المعدن فائزة من سعادة العلم بمثل ما يأخذه السمسم من العدد والأنوار فلا يفارق دهنه بعد ذلك ويتحد العاقل والمعقول ويصير واحدا. وحقيق علينا أن نورد من كتبهم شيأ من صريح كلامهم في هذا الباب وما يشبهه من كلام غيرهم فيه، قال «باسديو» «لارجن» يحرضه على القتال وهما بين الصفّين: إن كنت بالقضاء السابق مؤمنا فاعلم أنّهم ليسوا ولا نحن معا بموتى ولا ذاهبين ذهابا لا رجوع معه فإنّ الأرواح غير مائتة ولا متغيّرة وإنّما تتردّد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب والكهولة ثمّ الشيوخة التي عقباها موت البدن ثمّ العود، وقال له: كيف يذكر الموت والقتل من عرف أنّ النفس أبديّة الوجود لا عن ولادة ولا إلى تلف وعدم بل هي ثابتة قائمة لا سيف يقطعها ولا نار تحرقها ولا ماء يغصّها ولا ريح تيبّسها لكنّها تنتقل عن بدنها إذا عتق نحو آخر ليس كذلك كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق فما غمّك لنفس لا تبيد ولو كانت بائدة فأحرى أن لا تغتمّ لمفقود لا يوجد ولا يعود فإن كنت تلمح البدن دونها وتجزع لفساده فكلّ مولود ميّت وكلّ ميّت عائد وليس لك من كلي الأمرين شيء إنّما همنا إلى الله الذي منه جميع الأمور وإليه تصير، ولمّا قال له «ارجن» في خلال كلامه: كيف حاربت براهم في كذا وهو متقدّم للعالم سابق للبشر وأنت الآن فيما بيننا منهم معلوم الميلاد والسنّ؟ إجابة وقال: أمّا قدم العهد فقد عمّني وإيّاك معه فكم مرّة حيينا معا قد عرفت أوقاتها وخفيت عليك وكلّما رمت المجيء للإصلاح لبست بدنا إذ لا وجه للكون مع الناس إلا بالتأنّس وحكى عن ملك أنسيت اسمه أنّه رسم لقومه: أن يحرقوا جثّته بعد موته في موضع لم يحرق فيه ميّت قطّ، وإنّهم طلبوا موضعا كذلك فأعياهم حتى وجدوا صخرة من ماء البحر ناتية فظنّوا أنّهم ظفروا بالبغية، فقال لهم «باسديو» : إنّ هذا الملك أحرق على هذه الصخرة مرّات كثيرة فافعلوا ما تريدون

فإنه إنّما قصد إعلامكم وقد قضيت حاجته وقال «باسديو» : فمن يأمل الخلاص ويجتهد في رفض الدنيا ثمّ لا يطاوعه قلبه على المبتغى إنّه يثاب على عمله في مجامع المثابين ولا ينال ما أراد من أجل نقصانه ولكنّه يعود إلى الدنيا فيؤهل لقالب من جنس مخصوص بالزهادة ويوفّقه الإلهام القدسيّ في القالب الآخر بالتدرّج إلى ما كان إرادته (1) في القالب الأوّل ويأخذ قلبه في مطاوعته ولا يزال يتصفّى في القوالب إلى أن ينال الخلاص على توالي التوالد، وقال باسديو: إذا تجرّدت النفس عن المادّة كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت