فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 416

عند لبس الصور تأخذ في إنماء الكائنات عنها والنموّ لا يكون إلا إحالة الغير وتشبيهه بالنامي فكأنّ الطبيعة تغالب في تلك الإحالة وتستطيل على المستحيل ومن البيّن أنّ كلّ مركب فله بسائط منها يبدو التركيب وإليها يعود التحليل، والموجودات الكلّيّة في العالم هي العناصر وهم على رأيهم السماء والريح والنار والماء والأرض وتسمى «مهابوت» أي كبار الطبائع، ولا يذهبون في النار إلى ما يذهب إليه من الجسم الحارّ اليابس عند تقعير الإيثر وإنّما يعنون بها هذه الموجودة على وجه الأرض من اضطرام الدخان وفي «باج پران» : إنّ في القديم كان الأرض والماء والريح والسماء وإنّ براهم رأى شررة تحت الأرض فأخرجها وجعلها أثلاثا، فالأوّل «بارتب» وهي النار المعهودة التي تحتاج إلى حطب ويطفئها الماء، والثاني «دبت» وهو الشمس، والثالث «بدد» وهي البرق فالشمس تجذب الماء والبرق يمض من خلال الماء وفي الحيوان نار في وسط الرطوبات تغتذى بها ولا تطفئها وهذه العناصر مركّبة فلها بسائط تتقدّمها تسمّى «بنج ماتر» أي أمّهات خمسة ويصفونها بالمحسوسات الخمسة فبسيط السماء «شبد» وهو المسموع وبسيط الريح «سپرس» وهو الملموس وبسيط النار «روپ» وهو المبصر وبسيط الماء «رس» وهو المذوق وبسيط الأرض «كند» وهو المشموم، ولكلّ واحد من هذه البسائط ما نسب إليه وجميع ما نسب إلى ما فوقه فللأرض الكيفيّات الخمسة والماء ينقص عنها بالشمّ والنار تنقص عنها به وبالذوق والريح بهما وباللون والسماء بها وباللمس، ولست أدري ماذا يعنون بإضافة الصوت إلى السماء وأظنّه شبيها بما قال «أوميروس» شاعر اليونانيّين: إنّ ذوات اللحون السبعة ينطقن ويتجاوبن بصوت حسن، وعنى الكواكب السبعة، كما قال غيره من الشعراء: إنّ الأفلاك المختلفة اللحون سبعة متحرّكات أبدا ممجدات للخالق لأنّه ماسكها محيط بها إلى أقصى نهاية الفلك غير المكوكب، وقال «فرفوريوس» في كتابه في آراء أفاضل الفلاسفة في طبيعة الفلك: إنّ الأجرام السماوية إذا تحرّكت على متقن أشكالها وهيآتها وترنّمها بالأصوات العجيبة على ما قاله «فوثاغورس»

و «ديوجانس» دلّت على منشئها الّذي لا مثل له ولا شكل، وقيل: إنّ ديوجانس للطافة حسّه كان اختصّ باستماع صوت حركة الفلك وهذه كلّها رموز مطّردة بالتأويل على القانون المستقيم، وذكر بعض من تبعهم من القاصرين عن التحقيق: إنّ البصر مائيّ والشمّ ناريّ والطعم أرضيّ واللمس من إفادة الروح كلّ البدن بالاتصال به، وما أظنّه نسب البصر إلى الماء إلّا لما سمع من رطوبات العين وطبقاتها والشمّ إلى النار بسبب البحور والدخان والطعم إلى الأرض بسبب طعامه الذي تزقمه وفنيت العناصر الأربعة فعاد في اللمس إلى الروح ثمّ نقول: إنّ الحاصل ممّا بلغ التعديد إليه هو الحيوان وذلك أنّ النبات عند الهند نوع منه كما أنّ أفلاطن يرى أنّ للغروس حسّا لما يرى في النبات من القوّة المميّزة بين الملائم والمخالف والحيوان حيوان بالحس، والحواس خمسة تسمّى «اندريان» وهي السمع بالأذن [1] والبصر بالعين والشمّ بالأنف والذوق باللسان واللمس بالجلد، ثمّ إرادة تصرّفها على ضروب المضارب محلّها منه القلب وسمّوها به «من» والحيوانيّة تكمل بأفاعيل خمسة ضروريّة له يسمّونها «كرم اندريان» أي الحواسّ بالفعل فإنّ الحاصل من الأولى علم ومعرفة ومن هذه الأخرى عمل وصنعة ولنسمّها «ضروريّات» وهي التصويت بصنوف الحاجات والإرادات والبطش بالأيدي للاجتلاب والاجتناب والمشي بالأرجل للطلب والهرب ونفض فضول الأغذية بكلي المنفذين المعدّين له، فهذه خمسة وعشرون هي النفس الكلّيّة والهيولى المجرّدة والمادّة المتصوّرة والطبيعة الغالبة والأمّهات البسيطة والعناصر الرئيسيّة والحواسّ المدركة والإرادة المصرّفة والضروريّات الآليّة، واسم الجملة «تتو [2] » والمعارف مقصورة عليها ولذلك قال «بياس بن براشر» : أعرف الخمسة والعشرين بالتفصيل والتحديد والتقسيم معرفة برهان وإيقان لا دراسة باللسان ثمّ ألزم أيّ دين شئت فإنّ عقباك النجاة.

(1) من ز، وفي ش: والأذن.

(2) من ز، وفي ش: تتر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت