السبب الذي أنشأ أصل وجودها في الماضي، ولوَوسعَ كل من شاهد عقد البيع إبَّان إبرامه، أن يشهد أمام القضاء، إذا ما دُعي إليه، عند التنازع، أن يشهد بأن الملك لمن اشترى بعقد شاهَدَ إبرامه في الماضي، بينه وبين البائع، وما زال، وما ذلك، إلا لقوة استمرار الحكم شرعًا، بعين دليل وجوده، أي بالعقد أو السبب، ولكن الأصوليين، وإن اتفقوا على هذا الحكم -أدخلوا هذا النوع من استمرار الوجود، في بحث الاستصحاب"على الرغم من عدم تحقق مناطه فيه، بل وأخذوا يستدلون به على حجية الاستصحاب، في حين أنه غير داخل في محل النزاع أصلًا، كما رأيت (8) ."
هذا، وقد أشرنا آنفًا، إلى صحة هذا الأصل، من أن الاستمرار هو أثر لازم لأصل وجود الحكم القائم على سبب يقتضيه، لا للاستصحاب، بدليل أن مثل هذه"العقود"والتصرفات التي هي"أسباب"لنشوء أحكامها، لا تقبل"التوقيت"بل التوقيت يفسدها، وعللوا ذلك، بأنه ينافي مقتضى"السبب"وهو"ديمومتها"أي استمرار أحكامها، فعقد الزواج المؤقت باطل، وعقد البيع لا يقبل"التوقيت"، فلو قلت: اشتريت هذه الأرض لسنتين، بطل العقد، وغير ذلك من العقود التبادلية، مما يدل على أنها أحكام شرعية ممتدة بمقتضى أسبابها التي نشأت عنها، ما عدا ما يقبل"التوقيت"بحكم طبيعته، كعقد الإجارة، لأنه عقد على المنافع لا على الأعيان، وهي بطبيعتها تتجدد شيئًا فشيئًا، وإذا كان استمرار الحكم في جريانه، واستتباع آثاره، ثابتًا بالسبب الذي اقتضى أصل وجوده، لا بحكم الاستصحاب، كما بينا، لم يكن ثمة وجه. لاستدلال الأصوليين على"حجية الاستصحاب"بمثل هذه العقود والتصرفات، إذ لا صلة لها بالاستصحاب أصلًا، لا من قريب ولا من بعيد، فكان الاستدلال بها، استدلالًا في غير موضوعه!.
1 -غير مجد الاستدلالُ على حجية الاستصحاب، باستمرار أحكام الشريعة إلى يوم القيام، لأن خلود الشريعة بالأدلة التي نهضت به، وهي صريحة الدلالة على أنها دين الله إلى الزمن المقدر لبقاء هذا العالم، وهذا ليس بحكم الاستصحاب على ما ذهب إليه كثير من الأصوليين!
من عجب، أن ترى فريقًا من الأصوليين، يستدل على حجية"الاستصحاب"باستمرار أحكام الشريعة إلى الزمن المقدر لبقاء هذا العالم، وهذا -في الواقع -تخليط بين ما قام الدليل القاطع على استمراره وبقائه، بل وخلوده، وبين الاستمرار بحكم الاستصحاب، حيث لا دليل، ولا سبب، فوجب التمييز!!
أما أن"الإسلام"خالدٌ إلى يوم القيامة، فهذا ليس من قبيل"الاستصحاب"في شيء، لأن دوامه وبقاءه ثابت بالدليل الذي يوجب البقاء، والخلود، ذلك، لأن رسالة الإسلام خاتمة الشرائع، وليس ثمة من رسالة تأتي بعدها لتنسخها أبدًا، بعد وفاته (، وكذلك لا رسول بعد محمد (بل هو خاتم النبين، والمرسلين، بنص الكتاب العزيز: (ما كان محمدٌ، أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبين (ولا يُقبلُ ممَّن يبتغي غير الإسلام دينًا: (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا، فلن يقبل منه. (.
هذا، وإذا ثبت يقينًا أن الإسلام هو"النعمة الكبرى"التي أسبغها الله تعالى على العالمين، باعتباره الرسالة الكاملة، وأنه هو الدين الذي ارتضاه لخلقه، أن يتعبدوه به، فليس بعد"النعمة الكبرى"و"كمال الرسالة"وارتضاء الله تعالى الإسلام لنا دينًا، شيءٌ يُبتغى!!
هذا، وقد علمت، أن الاستدلال بالاستصحاب، لا يكون إلا حيث لا دليل على التغيير، ولا سبب يقتضي الاستمرار بعد البحث والنظر، فيحصل للمجتهد حينئذ"ظن البقاء"لكن ما نحن فيه، ليس مظنون البقاء، بل مستقين البقاء والخلود، لقيام الأدلة القطعية على ذلك، فافترقا!!
هذا، وترى فريقًا آخر من الأصوليين، أيضا، يُنكر"حجيَّة"الاستصحاب أصلًا، دون تفصيل في"الأنواع"التي تفرعت عن أصل حقيقته -في تصور كل منهم -وفريقًا آخر يراه"حجة"في بعض الحالات دون بعض، بمعنى أنه يراه حجة، إذا كان الحكم السابق سلبيًا، لا إيجابيًا، لأدلة استندوا إليها، وستأتي مناقشتها، هذا عدا الفريق الذي يرى الاستصحاب"حجة مطلقًا"لأنه -في تصور هذا الفريق -مما يوجبه العقل، والفطرة والعرف العام في المجتمع البشري، فضلاعما استدلوا به من الإجماع، شريطة أن يبلغ"إدراك المجتهد"مستوى من الظن القوي بعدم الدليل المغيِّر، والظن كاف في الاستدلال به على إثبات أحكام المعاملات، لأنه بمنزلة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)