أ-جمهور الفقهاء، على أن صلاته جائزة، تطبيقًا لقاعدة استصحاب"الوصف"إذ لا يثبت الشك إزاء اليقين، فلا عبرة بالأول، فيكون باطلًا، أو بعبارة أخرى:"لا يزول اليقين بالشك"فهو إذن متوضئ، وصلاته صحيحة، لتحقق شرطها، رغم ما اعترى الشرط من شك في زواله.
ب-وخالف في ذلك، الإمام مالك، حيث ذهب إلى أن صلاته لا تجوز مع هذا الشك في طهارته، حتى يتوضأ من جديد، وفي هذا -كما يخيل إليك بادئ الرأي -نقضٌ لقاعدة"استصحاب الوصف"التي مؤداها: أن"اليقين لا يزول بالشك"ولكن عند انعام النظر، ترى، أن الإمام مالكًا قد طبقها هي عينها، ولكن من جانب آخر تحقق فيها اليقين أيضًا، فينبغي أن ننظر إلى هذا الجانب، في نظر الإمام مالك، لأنه أدنى إلى"الاحتياط"في أداء العبادات بوجه خاص، أو الحل والحرمة، في العلاقة الزوجية، لأنها أقرب إلى العبادات أيضًا، فالقاعدة واحدة، ولكن وجهة النظر في تطبيقها يختلف باختلاف الجانب الذي ينبغي النظر إليه عند كل فريق وتطبيق القاعدة على أساسه، تحصيلًا للاحتياط والحذر!
وعلى هذا، فالإمام مالك -رحمه الله -لم ينكر أصل القاعدة -كما ترى- بل يراها قاعدة مُحكمة، شرعًا وعقلًا، تفرض حجِّيَّتُها وجوب العمل بمقتضاها، غير أنه يسلك في التطبيق مسلك الحذر والاحتياط، والأخذ بالحزم في الحل والحرمة، بما يبلغ مبلغ التشدد، فهو يرى في هذه المسألة ما يلي:
-أن"اليقين"كما هو ثابت في وصف الطهارة للمتوضئ ابتداء، وملازم له استصحابًا لحاله هذه، حتى يوجد المغيِّر، ولذا تجوز صلاته مع الشك في نقضها، إذ اليقين لا يزول بالشك، تطبيقًا للقاعدة، فإن الإمام مالكًا يرى -مع هذا -أن ثمة يقينًا من جانب آخر، يعتبر أصلًا أيضًا يجب الاعتداد به، وهو أقوى من حيث الاحتياط، ذلكم هو"شغل ذمة المكلف بفريضة الصلاة"فهي ثابتة يقينًا أيضًا، واليقين لا يزول بالشك، حتى إذا شك المتوضئ في نقض طهارته- والوضوء شرط صحة الصلاة -فإن يقين شغل ذمة المكلف بها، لا يرتفع ولا يزول، بالوضوء المشكوك فيه، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بطهارة مستيقن بها، تطبيقًا لعين القاعدة نفسها،"اليقين لا يزول بالشك"بناء على أصل اليقين أيضًا، ولكن من جانب آخر، وهذا -في نظرنا -أحوط بلا ريب.
إذن، يتجاذب هذه المسألة أصلان، أو قل: يقينان: يقين الوضوء والطهارة، مع الشك في زوالها، واليقين لا يزول بالشك، فتجوز الصلاة، وهو رأي الجمهور، ويقين من جانب آخر، وهو شغل ذمة المكلف بالصلاة، وهذا لا يزول بالشك في الطهارة، فتبقى ذمته مشغولة مع هذا الشك، فصلاته لا تجزئ ولا تبرأ ذمته، لأن اليقين لا يزول بالشك، ذلك، لأن شغلها بها، استصحابًا، حتى يرد دليل يفرغ الذمة منها يقينًا أيضًا، ولا يتم ذلك، إلا بإداء الصلاة على وجهها، بوضوء ثابت يقينًا، لا مكان للشك فيه، إذ الشك في الطهارة، لا يجعل الصلاة معه صحيحة مؤداة على وجه اليقين، بحيث تكون مجزئة تفرغ الذمة من شغلها بها، لأن شرط الصحة ينبغي أن يكون متيقنًا لا شك فيه!
ولهذا، رجح المالكية هذا الأصل الثاني، احتياطًا في أداء العبادات، فلم يجيزوا الصلاة مع الشك في الطهارة، لأنها لا تبرئ الذمة من الفريضة التي شغلتها يقينًا، فقالوا: ينبغي الحذر، والاحتياط، في أداء العبادات، دون أن يلابسها شك، وهذا ما نرجحه!.
هذا مثال تطبيقي، اختلفت في حكمه، وجهات النظر، أثرًا لتطبيق قواعد الاستصحاب عليه، مدعمًا بالأدلة، كما رأيت، مع العلم أن ليس ثمة من خلاف في أصل تلك القواعد.
هذا، وترى المالكية يستقلون في اجتهادهم في تطبيق قواعد الاستصحاب، عن جمهور الفقهاء، لأنهم يرون، أنه قد ينشأ أصل آخر، يعارض الأول، مما يقتضي النظر والترجيح بالدليل القوي الذي يرفع التعارض الظاهر، فالقاعدة واحدة -كما ترى -ولا ضعف في حجيتها عند أيٍّ من الفريقين، غير أنه يتعارض هذان الأصلان في تطبيقها، فرجح الإمام مالك الأصل الثاني، لأنه أقوى في نظره، من حيث الاحتياط، فالاختلاف في وجه التطبيق، لا في أصل القاعدة، والاجتهاد في التطبيق، من أهم مناشئ اختلاف الفقهاء في المسائل والفروع.
مثال ذلك أيضًا في العلاقات الزوجية:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)