ويؤكد الإمام الشاطبي هذا المعنى بقوله:"فإن ما هو لله من الحقوق، فهو لله، وما كان للعبد -الإنسان الفرد- فراجع إلى الله، من جهة حق الله فيه، ومن جهة كون حق العبد من حقوق الله، إذ كان لله ألاَّ يجعل للعبد حقًا أصلًا (45) ".
ويترتب على هذا المعنى نتائج فقهية أصولية منطقية:
أولها: أن الشريعة هي أساس الحق، وليس الحق صفة ذاتية من صفات الإنسان، أو خاصة من خصائصه الفطرية، كما يرى أنصار المذهب الفردي فيما ابتدعوه من فلسفة القانون عندهم، حتى يكون الأصل في الحق الفردية في المفهوم، والإطلاق في التصرف، لأنه -في زعمهم- سابق في وجوده على القانون والمجتمع والدولة (46) ، فالنظرية الإسلامية قائمة على أساس أن الشريعة هي التي أنشأت الحق إنشاءً، بما شرعت من الأحكام المستفادة من نصوصها أو دلالاتها، والتشريع دلالات (47) .
هذا، ويقرر الإمام الشاطبي هذا الأصل بصورة جلية، لا لبس فيها ولا إبهام، حيث يقول:"لأن ما هو حق للعبد -للإنسان الفرد- إنما ثبت كونه حقًا، بإثبات الشرع ذلك له، لا بكونه مستحقًا لذلك بحكم الأصل (48) ".
فالحق ثابت بالشرع، ومنحة منه تعالى بشرعه.
الثاني: أن الإنسان لم يخلق حرًا، أو مزودًا بالحقوق والحريات كما يتصور الفرديون، لأنه ليس مخاطبًا بالحكم قبل التكليف، فلا يثبت الحق كَمَلًا إلا بالتكليف (49) ، وإنما خلق ليكون حرًا، بمقتضى تكاليف الشرع ومسؤولياته الجسام، إذ لا تكليف بلا مسؤولية!
وعلى هذا، يتبدى لك، أن التشريع الإسلامي بجعله التكليف منشأ الحقوق، يكون قد أولى عنايته أداء"الواجبات"قبل تقريره منح الحقوق والحريات، ذهابًا منه، إلى أن في النهوض بهذه"التكاليف (50) "على الوجه الأكمل والمرسوم شرعًا، ضمانًا كافيًا لتحقيق وصيانة الحقوق والحريات، وبذلك كان"التلازم"المستحكم بين"عنصر الإلزام"بالتكليف، وعنصر الحق أو الحرية، بحيث لا يتصور الانفكاك بينهما، وهذا فارق حاسم بين حقوق الإنسان، والحريات العامة في الإسلام، وبين ما استقر منها في المواثيق الدولية، أو من قبلها إبان الثورة الفرنسية، لسبب بسيط، هو أن هذه المواثيق قد افتقدت عنصر"الإلزام"ولا سيما على الصعيد الدولي (51) ، فضلًا عن الاختلاف في المفهوم- ولا أدل على ذلك من الاتفاق على أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نفسه، قد افتقد عنصر الإلزام، في الحياة الدولية، حتى غدا عديم الأثر، وهل تصرف الرجل الأبيض عسكريًا وسياسيًا في إفريقيا السوداء مثلًا، مما يعتبر أثرًا للتقيد بهذا الإعلان؟؟؟ أو هل اعتداء إسرائيل على بعض البلاد العربية، واستيلاؤها على مساحات واسعة من أراضيها، وإمعانها في الاغتصاب والتوسع عنوة وبقوة السلاح، وإعمالها هذا السلاح الرهيب في أصحابها الشرعيين تقتيلًا وتشريدًا، ومعاملتها للعرب المجاهدين والمناضلين عن حقوقهم المشروعة في أراضيهم المحتلة، بألوان من التعذيب الوحشي الذي لم يشهد التاريخ له نظيرًا، وعلى مرأى ومسمع من هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، مما يمكن اعتباره مظهرًا للتقيد بمقتضيات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والالتزام بها؟؟؟ ما نظن!!!
كذلك، لا تكاد تجد لهذا الميثاق الدولي، ولا لقرارات جمعية الأمم، ومجلس الأمن انعكاسًا أو أثرًا في المسالك السياسية لتصرفات الدول العدوانية، ولا سيما تلك التي تقوم على سياسة التمييز العنصري بوجه خاص، حتى بين مواطنيها هي، مما هو واقع ومشهود في أعظم الدول حضارة مادية!!
لذا، لا يمكن تصور الإنسان حرًا في المفهوم الإسلامي، إلا منذ أن أصبح يعتقد أنه مكلف ومسؤول.
ذلك، لأن معنى الحرية الذي نهض به التكليف قد غدا في أغوار النفس الإنسانية معتقدًا، يمارسه على الوجه المرسوم له شرعًا، امتثالًا لأمر الله، وعن طواعية وكامل رضا، أو بعبارة أخرى، إن المسلم الحق لا يصدر عنه تصرف أو نشاط حيوي: مادي أو فكري أو وجداني، بمقتضى ما رسم له الشارع فيما خوطب به من تكاليف، إلا إذا كان يعتقد ابتداء، وفي قرارة نفسه، أنه مكلف به شرعًا، لا بعامل الاستهواء، أو بتسليط الغرائز الدنيا الأولية السليقية التي تغري بالتصرف المطلق، طمعًا في تحصيل الثمرات القريبة العاجلة، أو استجابة للعصبية والهوى، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم، وحذر منه، لفساد مآلاته على المجتمع البشري كله -بقوله تعالى: (ولو اتبع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)