يوضح هذا، إن الزواج بالكتابيات الأجنبيات مثلًا، مباح في الأصل، لقوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب (أي مباح لكم التزوج بالعفيفات من نساء أهل الكتاب، لحكمة تأليف قلوبهن، ولإزالة ما عسى أن يعتري قلوب أهل الكتاب عامة من وحشة المخالفة في الدين، بالمصاهرة، فضلًا عن وجوب البر والإقساط إليهم، ولكنه قد يصبح حرامًا وممنوعًا، لعوارض طارئة خارجية قد يفضي تأثيرها إلى عقبى الفساد، كالتزوج باليهوديات الإسرائيليات مثلًا، في مثل ظروفنا الراهنة، لما يفضي إليه في ظل هذه العوارض والظروف الحربية مع إسرائيل، من أضرار عسكرية أو سياسية تؤدي بالأمة كلها إلى سوء المصير. ومعلوم أن التزوج بالكتابيات الأجنبيات -ولا سيما المحاربات منهن- لم يشرع أصلًا لهذا المآل الممنوع، فيغدو هذا الزواج حرامًا قطعًا بالنظر إلى وخيم عواقبه الواقعة أو المتوقعة، ولا سيما بالنسبة إلى رجال السلك السياسي والعسكري بوجه خاص، خشية تأثير هؤلاء النسوة على أزواجهن بانتهاج سياسة معينة معادية لسياسة الدولة، أو خشية تسرب أسرار الدولة عن طريقهن، بحكم المخالطة الزوجية، ولو كان قصد مريد الزواج منهن حسنًا، غفلة منه وسذاجة، وقصر إدراك للعواقب.
هذا، وقد أدرك الإمام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ببعد نظره هذا المعنى الاجتماعي في الحرية العامة، فأرسل إلى واليه على فارس، إبان فتحها، حذيفة بن اليمان- وكان قد تزوج بكتابية من تلك البلاد -فأرسل إليه:"إذا أتاك كتابي هذا فطلِّق"!! فرد عليه حذيفة بقوله:"أحلال هذا الزواج أو حرام؟"فقال عمر الخليفة: إني أعلم هذا، ولكني أخشى الفتنة!! (100) وعلى هذا، فقد تكون"المصلحة"مشروعة في الأصل، وتنطوي على المنفعة التي أقرها الشارع، ولكن قد يلزم عنها مفاسد وأضرار- بفعل الظروف القائمة- مما قد يتصل بالمصلحة العامة، ويكون صاحبها في غفلة عنها، فيجب الإشراف على تصرفات الأفراد في حقوقهم، وتحصيل مصالحهم، إذ لا تعتبر المصلحة مصلحة شرعًا إذا لزم عنها مفسدة تساويها أو تزيد عنها!
وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي:"ولا مصلحة تتوقع مطلقًا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها، أو تزيد عنها (101) "وهذا بين في أن كلًا من الفرد والمجتمع في كفالة الآخر، لوثوق الصلة بينهما، عملًا ومصلحة ومصيرًا.
فالمعنى الاجتماعي في مفهوم الحق الفردي في الإسلام الذي يحقق التكافل الاجتماعي عملًا، لربط المشروعية به، ينبغي ألاَّ يسقطه الباعث النفسي للمتصرف، أو الظرف الخارجي الملابس، حتى إذا سقط بأي منهما، لا تغدو"المصلحة"التي شرع من أجلها الحق الفردي معتبرة، ولو كانت -من حيث ذاتها- منفعة أقرها الشارع في الأصل، فيمنع التسبب في تحصيلها ابتداء بالتشريع الملزم، أو ترفع وتزال إذا وقعت كما رأينا في سياسة الخليفة عمر تُجاه واليه على بلاد فارس إبان فتحها، ولأن"الحكمة"التي شرع حكم التزوج بالكتابيات -وهو الإباحة- لا تتحقق في ظل ظروف الفتح أو الحرب هذه غالبًا، لما عسى أن يكون في نفس الزوجة الكتابية الأجنبية من رواسب كراهيتها للعرب والمسلمين ما يدفعها إلى الكيد نحوهم، عن طريق زوجها، فالذي يتوقع تحققه -في مثل هذه الظروف الراهنة- النقيض من حكمة التشريع، وهو الضرر العام اللاحق بالدولة، سياسيًا أو عسكريًا، فتمنع ممارسة هذه الحرية على هذا الوجه منعًا باتًا على النحو الذي رأينا من صنيع الخليفة عمر رضي الله عنه. وأيضًا، قد قدمنا، أن الحكم وحكمة تشريعه مقترنان، نظرًا وتطبيقًا، ولأن"الحكمة"روح الحكم، والغاية المقصودة من أصل تشريعه، أو بعبارة أخرى، الحكمة هي مصدر قيمة ما منح الحكم من حق، وسبب حماية ذلك الحق شرعًا، فإذا سقطت هذه"الحكمة"في ظرف من الظروف، وتحت تأثيره، فلا يشرع الحكم (102) عند سقوطها، لأنها الغاية، ولا يشرع الحكم عند ظن عدم ترتب حكمة تشريعه عليه، كما أوضحنا من قبل، فكيف إذا لزم عن تنفيذ الحكم ضرر عام وخطير!! وهذا هو"المآل"الذي يُكيَّفُ الفعل الناشئ عن التصرف الفردي، بالمشروعية وعدمها، إذ لا يتصور انفصال الفرد عن مجتمعه، مطلقًا، بل هو ملزم بالتكافل معه، ومسؤول عن كل تصرف يصدر عنه في ضوء مبدأ التكافل هذا، تحقيقًا للتعاون العملي، كما أسلفنا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)