وأيضًا، فإن الذمي وإن كان معصومًا بالعهد فهو ممنوع بهذا العهد من إظهار السب، والحربي ليس له عهد يعصمه ولا يمنعه، فيكون الذمي من جهة كونه ممنوعًا أسوأ حالًا من الحربي، وأشد عداوة، وأعظم جرمًا، وأولى بالنكال و العقوبة التي يُعَاقب بها الحربي على السب، و العهد الذي عصمه لم يف بموجبه فلا ينفعه؛ لأنا إنما نستقيم له ما استقام لنا، وهو لم يستقم بالاتفاق، وكذلك يعاقب، والعهد يعصم دمه وبشره إلا بحق، فلما جازت عقوبته بالاتفاق، عُلم أنه قد أتى ما يوجب العقوبة.
وقد ثبت بالسنة أن عقوبة هذا الذنب القتلُ، وسرُّ الاستدلال بهذه الأحاديث أنه لا يقتل الذمي لمجرد كون عهده قد انتقض؛ فإن مجرد نقض العهد يجعله ككافر لا عهد له، وقد ثبت بهذه السنن أن النبي e لم يأمر بقتل الساب لمجرد كونه كافرًا غير معاهد، وإنما قتله لأجل السب مع كون السب مستلزمًا للكفر و العداوة والمحاربة، وهذا القدر موجب للقتل حيث كان، وسيأتي الكلام إن شاء الله على تعين قتله.
السنة الثالثة عشرة: ما رويناه من حديث أبي القاسم [عبدالله] بن محمد البغوي: ثنا يحيى بن عبدالحميد الحماني ثنا علي بن مُسْهر عن صالح بن حَيّان عن ابن بُرَيدة عن أبيه (قال: جاء رجل إلى قوم في جانب المدينة فقال) :"إن رسول الله e أمرني أن أحكم فيكم برأيي و في أموالكم و في كذا وفي كذا"وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه، ثم ذهب حتى نزل على المرأة، فبعث القوم إلى رسول الله e،/ فقال:"كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ"ثم أرسل رجلًا فقال:"إِنْ وَجَدتَّهُ حَيًّا فَاقْتُلهُ، وَإِنْ أَنْتَ وَجَدتَّهُ مَيتًا فَحَرقْهُ بِالنَّارِ"، فانطلق فوجده قد لُدغ فمات، فحرقه بالنار، فعند ذلك قال رسول الله e:"مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
ورواه أبو أحمد بن عدي في كتابه"الكامل"قال: ثنا الحسن ابن محمد بن عنبر ثنا حجاج بن يوسف الشاعر ثنا زكريا بن عدي ثنا علي بن مسهر عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه قال: كان حيٌّ من بني ليث من المدينة على ميلين، وكان رجلٌ قد خطب منهم في الجاهليه فلم يزوجوه، فأتاهم وعليه حُلَّة فقال: إن رسول الله e كساني هذه الحلة، وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم، ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها فأرسل القوم إلى رسول الله e، فقال:"كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ"ثم أرسل رجلًا فقال:"إِنْ وَجَدتَّهُ حَيًّا ـ وَمَا أَرَاكَ تَجِدُه حَيًا ـ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَإِنْ وَجَدتَّهُ مَيتًا فَأَحْرِقْهُ بِالنَّارِ"، قال: فذلك قول رسول الله e:"مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"هذا إسناد صحيح على شرط الصحيح، لا نعلم له علة.
وله شاهد من وجه آخر رواه المُعَافى بن زكريا الجريري، في كتاب"الجليس"قال: ثنا أبو حامد الحضرمي ثنا السري ابن مزيد الخراساني ثنا أبو جعفر محمد بن علي الفزاري ثنا داود ابن الزبرقان. قال: أخبرني عطاء بن السائب عن عبدالله بن الزبير قال يومًا لأصحابه: أتدرون ما تأويل هذا الحديث:"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدُه مِنَ النَّارِ"؟. قال: [كان] رجل عَشِقَ امرأة فأتى أهلها مساءً فقال: إن رسول الله e بعثني إليكم أن أتضيف في أي بيوتكم شئت، قال: وكان ينتظر بَيْتُوتِيَّةَ المساء، قال: فأتى رجل منهم النبي ? فقال: إن فلانًا أتانا يزعم أنك أمرته أن يبيت في أي بيوتنا شاء، فقال:"كَذَبَ، يَا فُلاَنُ انْطَلِقْ مَعَهُ، فَإِنْ أَمْكَنَكَ اللهُ مِنهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَأَحْرِقْهُ بِالنَّارِ، وَلا أَرَاكَ إلاَّ قَدْ كُفِيتَهُ"، فلما خرج الرسول قال رسول الله e:"ادْعُوهُ"فلما جاء قال:"إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكَ أن تَضْربَ عُنُقَهُ وأَن تَحْرِقْه بالنَّارِ، فَإنْ أَمْكَنَكَ اللهُ منْهُ فَاضْربْ عنقَهُ، وَلا تَحْرِقْه بالنَّارِ؛ فإنَّه لا يُعذَّب بالنَّارِ إلا رَبُّ النارِ، ولا أَرَاكَ إلا قَد كُفِيتَه"، فجاءت السماء بصيِّب، فخرج الرجل ليتوضأ فلسعته أفعى، فلما بلغ ذلك النبي e قال:"هو في النار".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)