الحسية، وشرع في العيوب المعنوية فقال رحمه الله: [وزنا الرقيق] فهذا راجع إلى العيوب المعنوية. فقوله: (وسرقته) : السرقة خسة في الطبع، ولؤم في النفس أن يسرق من مال سيده، أو يسرق من أموال الناس، فهذا راجع إلى وازع نفسي، فالعبد إذا كان فيه هذه الصفة فإن معناه أنه سيء الخلق، وهذا من سوء الأخلاق الجامعة بين الدين والدنيا؛ لأن الدين لا يرضى مثل هذا، وأيضًا الناس بعقولهم وفطرهم السوية ينفرون ممن يسرق، فالسرقة تعتبر عيبًا؛ لأن هذا يدخل الضرر على السيد. وعلى هذا قالوا: إنه إذا تبين أن العبد سارق أو معروف بالسرقة، جاز له أن يرده، فلو اشترى منه عبدًا بثمانمائة دينار، ثم تبين له أنه زانٍ، أو تبين له أنه سارق، أو شهد شهود أن هذا العبد معروف بالسرقة أو بالزنا، وأثبتوا ذلك عليه، حينئذٍ يأتي إلى القاضي ويثبت هذا العيب ويرد القاضي المبيع ويعطيه قيمة ما دفع فيه. قال رحمه الله: [وإباقة] : الإباق كثرة الفرار، كأن يشتري عبدًا كثير الهروب، فإن الهروب عيب، وهذا العيب يمنعه من الانتفاع به، ويضر بمصالحه؛ لأنه ربما وضعه على مصلحة فهرب عنها، فهذا فيه ضرر عليك، فإذا تبين أنه كثير الهروب، أو أنه يهرب عن سيده، فمن حقه أن ترد بهذا العيب. قال رحمه الله: [وبوله في الفراش] : هذا من العيوب، وقد ذكروا عن أعرابي أنه اشترى عبدًا، فقال له البائع: فيه عيب، قال: ما عيبه؟ قال: يبول في الفراش، وهذا في القديم يعتبر عيبًا؛ لأن هذا يفسد المتاع، ووجود النجاسة أيضًا تضر بمصالح المشتري. الآثار المترتبة على وجود العيب قال رحمه الله: [فإذا علم المشتري العيب بعد أمسكه بأرشه] : في هذه الجملة شرع المصنف في بيان الأحكام المترتبة على وجود العيب: فيشترط في العيب شروط لا بد من وجودها، فمتى نحكم بأن من حق المشتري أن يرد بالعيب؟ ومتى يثبت خيار العيب؟ نقول: الشرط الأول: أن يكون العيب مؤثرًا، فخرجت العيوب غير المؤثرة، ومثال ذلك: لو أن رجلًا اشترى سيارة، فوجد خدشًا بسيطًا في مفارشها، فقال: هذا عيب، وأريد أن أرد السيارة، نقول: هذا عيب لكنه ليس بمؤثر. أو وجد غبارًا في فراشها، نقول: هذا ليس بمؤثر، فحينئذٍ نقول: إن وجود العيب لا يكفي بل يشترط أن يكون العيب مؤثرًا. الشرط الثاني: أن يكون المشتري غير عالم بالعيب، فلو اشترى سيارة وفيها عيب، فقال له البائع: هذه السيارة عيبها كذا وكذا، فقال المشتري: رضيت، ثم بعد أن ركب السيارة وتفرقا قال: فيها عيب لا أريدها، نقول: علمك بالعيب وإخباره لك، يسقط حقك في الرد. والثالثة: أن يكون حدوث العيب قبل البيع، أو مقارنًا للبيع، أي: قبل صفقة البيع، أو مقارنًا لصفقة البيع، أما لو أن العيب طرأ وجدّ بعد انتهاء العقد وبعد التفرق فإنه لا يثبت على البائع، وإنما يثبت على المشتري؛ لأن المشتري إذا تفرق عن البائع وحدث في المبيع عيب بعد ذلك، فإنه يكون قد حدث في ملك المشتري، وليس في ملك البائع. إذًا: يشترط أن يكون العيب موجودًا قبل العقد، أو أثناء العقد؛ لأنه قبل الافتراق لا تزال الصفقة في ذمة البائع ولم تنتقل بعد إلى ذمة المشتري. وعلى هذا: فإنه لا يحكم بالعيب إلا بهذه الأمور التي ينبغي توفرها للحكم باعتبار العيب وتأثيره. فقوله: (فإذا علم المشتري العيب بعد أمسكه بأرشه) أي: إذا علم المشتري العيب بعد تمام العقد والتفرق فلا يخلو من حالتين، فنقول له: إن شئت رددت المبيع، وإن شئت أبقيته، فإن قال: لا أريد أن أرد، بل أريد أن أبقي هذه السيارة، ولكن أريد حقي الذي هو أرش النقص، فله ذلك. فالحالة الأولى: أن يرد ويقول: أريد مالي، وخذ سيارتك، فهذا من حقه. الحالة الثانية: أن يكون المشتري راغبًا في السلعة، ويريد أن يمسكها، ولكنه يريد حقه، الذي هو حصة العيب، فحينئذ يكون له الأرش، والأرش: أن تقدر السلعة كاملة، وتقدرها معيبة، وتنظر الفرق بينهما فتسقطه من قيمتها بنسبته من قيمتها معيبة. مثال ذلك: لو باعه السيارة بعشرة آلاف ريال، وظهر فيها عيب يجعل قيمتها تسعة آلاف ريال، فمعنى ذلك: أن القيمة انتقص منها قدر ألف ريال، فتنظر الفرق بين قيمة السيارة كاملة وقيمتها معيبة، بأن تسأل أهل الخبرة عن قيمتها كاملة، وعن قيمتها معيبة، ثم تنظر قدر الفرق بين القيمتين، فإذا كانت قيمتها كاملة عشرة آلاف، وقيمتها معيبة تسعة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)