وسيأتينا إن شاء الله مزيد بيان في هذا في كتاب الطلاق، ونفصل في بعض هذه المسائل. الشاهد: قضية الظاهر والباطن، فإذا حكم القاضي بحكم بناء على أدلة صحيحة، لا خطأ فيها ولا تزوير، فحينئذٍ ينفذ القضاء ظاهرًا وباطنًا، كرجل ملك دارًا عن أبيه، ثم جاء رجل يخاصمه، فشهدت الشهود وهم عدول ثقات بأن الدار داره، وأثبت القاضي ذلك وحكم به، فإننا نقول: ينفذ قضاؤه ظاهرًا وباطنًا؛ لأن هذا الحكم موافق للحقيقة، وإذا كان الحكم موافقًا للحقيقة فإنه ينفذ ظاهرًا وباطنًا. لكن المسألة التي معنا هنا: البائع والمشتري اختلفا، فإذا وقع الخلاف بين البائع والمشتري، فتارة يكونان بريئين من التهمة، فالبائع نسي بكم باع، لكن في غالب ظنه أنها عشرون، والمشتري في غالب ظنه أنها عشرة، فكل منهما لم يزور ولم يكذب، وهو في حقيقة نفسه مطمئن إلى أنه قال الحقيقة، ويجوز للمسلم أن يحلف على غالب ظنه، ولا يقال: كيف يحلف وهو لم يتحقق أنه باع بعشرين؟ نقول: يجوز إذا غلب على ظنك الشيء أن تحلف على غالب الظن، وهذا أصح أقوال العلماء. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للأنصار أن يحلفوا أيمان القسامة بناء على غلبة الظن فقال: (أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟) وهذا لا يكون إلا بغلبة الظن أن فلانًا هو الذي فعل، فالحلف على غالب الظن مشروع، فإذا حلف البائع على غالب ظنه أنها بعشرين وحلف المشتري على غالب ظنه أنها بعشرة فلا إشكال. لكن لو أن البائع علم أنه قد باع بعشرة، وكذب وفجر فحلف اليمين، وإذا كانت في القضاء فهي يمين غموس، وسميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في النار، ولو كان الشيء الذي يحلف عليه شيئًا يسيرًا، -كما في الحديث- قال: (يا رسول الله! الرجل فاجر يحلف ولا يبالي، قال صلى الله عليه وسلم: ليس لك إلا يمينه، من حلف على يمين هو فيها كاذب ليقتطع مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان، قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئًا يسيرًا، قال: وإن كان قضيبًا من أراك) أي: ولو كان مسواكًا، نسأل الله السلامة والعافية! فهذه اليمين التي تسمى يمين الصبر، ويمين عند مقطع الخصوم فإذا حلف وهو يعلم أنه كاذب فيرد الإشكال: لو حلف أنه باع بعشرين ثم حلف خصمه بأنه سيفسخ البيع، فسيأخذ السلعة ويبيعها مرة ثانية، فهل ينفسخ البيع في حقه ظاهرًا وباطنًا، أو ينفسخ ظاهرًا لا باطنًا؟ بالنسبة للمظلوم ينفسخ ظاهرًا وباطنًا، وبالنسبة للظالم ينفسخ له ظاهرًا ولا ينفسخ له باطنًا وهو آثم، هذا وجه إدخال قوله: (انفسخ ظاهرًا وباطنًا) . فمثلًا إذا باعه عمارة بعشرين ألفًا، فتم البيع وانتقلت العمارة إلى ملك المشتري، فحكم الشرع حينئذٍ أن العمارة لزيد الذي اشترى، فلو جاء بعد مدة البائع وادعى أنه باع بثلاثين، وحلف عند القاضي أنه باع بثلاثين وحلف المشتري أنه اشترى بعشرين، فالحلف والأيمان من البائع وقعت على ملك الغير، وحينئذٍ إذا فسخ البيع فكأنه يسترد مالًا ليس من حقه، فحينئذٍ بالنسبة للظالم ينفسخ له ظاهرًا ولا ينفسخ باطنًا، ويبقى في ذمته، ويبقى آثمًا غاصبًا لا تبرأ ذمته إلا بتحلله من صاحب الحق. فإذًا بالنسبة للمظلوم ينفسخ له ظاهرًا وباطنًا، وإذا طلب المشتري وقال: لا أريد وفسخ، فهذا لا إشكال، وحينئذٍ ينفسخ ظاهرًا وباطنًا، لكن إذا وقع بينهما التحالف ووقع الاحتيال فالذي اختاره جمع من العلماء، كما في"الشرح الكبير"أنه ينفسخ للظالم ظاهرًا ولا ينفسخ له باطنًا، وهو الصحيح. حكم الاختلاف في الأجل والشرط قال رحمه الله: [وإن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه] : هذه الحالة الثانية من الخلاف: وهي أن يقع الخلاف في صفة العقد، يقول البائع: بعتك بعشرين ألفًا نقدًا، ويقول المشتري: اشتريت منك بعشرين ألفًا ولكن إلى نهاية السنة، فيدعي المشتري أنها مؤجلة، والبائع يقول: نقدًا، فاختلفا في تعجيل الثمن وتأجيله. فهذا اختلاف في إثبات الأجل ونفيه. وتارة يكون الاختلاف بطول الأجل وقصره، فيقول البائع: بعتك بعشرين ألفًا إلى نهاية هذه السنة، فيقول المشتري: بل اشتريت بعشرين ألفًا إلى نهاية السنة القادمة أو السنة التي بعدها، فحينئذ إما أن يقع الخلاف في التعجيل والتأجيل من حيث الأصل إثباتًا ونفيًا، أو يتفقا على التأجيل ولكن يختلفان في أمد التأجيل، فحينئذٍ كيف يفصل بينهما؟ هل نقول: القول
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)